من قصص الأنبياء

ميلاد السيد المسيح

ميلاد السيد المسيح

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل ينظر العلويون النصيريون لميلاد السيد المسيح (ع) كما تنظر إليه المذاهب الأخرى؟ أم كما ينظر إليه المسيحيون أنفسهم؟

 

لابد في البداية من الإشارة إلى أن سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) سمي مسيحًا كما ورد عن الموالي (ع) لأن في كل شيء منه مسحةً، وليس فيه مسحةً من غيره، وقيل أنه سمي مسيحًا لأنه كان يمسح كل ذي عاهة بيده فيبرأ، وقيل أنه كان ممسوحًا ليس له ما للرجال ولا ما للنساء، لأنه لاهوت ماثل الناسوتيين كأمثالهم ليفهموا عنه، وكل ذلك لإثبات الحجة عليهم، فقد مسح العالم بأسماء وهيئات ومسح نفسه باسم وهيئة لتقرب الصورة من الصورة فلذلك سمي مسيحًا.

نحن العلويون النصيريون لا نجسد سيدنا النبي المسيح (ع) بشرًا فنوقع عليه الولادة البشرية كما تفعل الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة، بل نرفعه كما أمرنا (ع) بقوله: (متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي). كذلك لا نجسد الإله الآب فنساويه بالمألوه الابن كما يفعل النصارى، بل ندرك منزلة الابن الأعظم من بارئه الآب الوهاب، وما خصه به من قدرته لقوله (ع): (الحق الحق أقول لكم: إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله، إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه).

إن الابن في نهجنا العلوي النصيري غير الآب، كما أن الرسول غير المرسل، فالابن ليس هو الآب بذاته، بل إن الابن له آب أوجده ومرسل أرسله ومكون كونه، وهذا يعني أن الابن ليس هو الإله المعبود، بل هو عبده ونبيه ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق إلى الخلق لقوله (ع): (الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني).

ولطالما صرح سيدنا النبي المسيح (ع) وشهد أنه رسوله وعبده المفتقر إليه، وأنه إلهه الذي يدعوه ويتضرع إليه ويناجيه لكشف ضره، وينتصر به على أعدائه في ملماته، كما في قوله تعالى على لسان النبي المسيح (ع): (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا)، وقوله عز وجل: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملآئكة المقربون)، وكذلك ما جاء في الإنجيل على لسان سيدنا النبي المسيح (ع): (الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني).

وقد أوضح سيدنا محمد بن نصير (ع) خطأ من اعتقد أن الابن إله كالآب، علمًا أن المشبهين اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقهوا فيه من أهل العلم، فمن زعم أن الابن والآب جوهر واحد وقال بإلهين اثنين، فقد جعلهما قديمين وهذا مما لا تقبله العقول، لقوله تعالى: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد)، فمن الشرك أن يساوى الابن بالآب، والعبد بالمولى، والمألوه بالإله، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)، حتى أن سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) أشار لذلك قائلاً: (أنت الإله الحقيقي وحدك، أما يسوع فهو المسيح الذي أرسلته)، فمن لم يخلص الابن من الآب لم يعبد شيئًا.

كما جاء في قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) نهي للمؤمنين أن يساووا بين الابن والآب، وهو الغلو في الابن لأنه قد اشتبه على المشبهين قول سيدنا النبي المسيح (ع): (كل من رآني فقد رأى الله)، لذلك قال عز وجل: (لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم)؛ أي كفر من قال إن الآب هو الابن، وهذا ليس إسقاطًا لمنزلة الابن لقوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) أن تجعلوه مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقول: (إن الابن مخلوق) إجلالاً وإعظامًا، ولكن نقول: (إن الآب فوقه)، وهو معنى قول سيدنا النبي المسيح (ع): (أنا والأب واحد… وهو أعظم من الكل).

فالآب أحد فوق كل شيء ولا شيء معه، أبدع الابن الواحد وهو النبي المسيح (ع) عبده القائم بقسطه، وأجرى على يده الخلق والرزق والحياة لقوله تعالى على لسانه: (أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).

ولابد للمؤمن أن يعرف أن طريق الوصول لسيدنا النبي المسيح (ع) لا يكون إلا من خلال روح القدس الذي خاطب سيدتنا مريم العذراء (ع) وبشرها كما جاء في الآية الكريمة: (إذ قالت الملآئكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين)، وكذلك جاء في الإنجيل الخطاب لها: (الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله) وهذا دليل على أن معرفة الابن لا يدخل إليها إلا من معرفة روح القدس لقول الله تعالى: (ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي)، فالأجلان في التأويل هما روح القدس والابن، ومثالهما تبشير سيدنا يوحنا المعمدان (ع) بظهور المخلص سيدنا النبي المسيح (ع)، فإذا قضي هذان الأجلان فلا عدوان: أي ليس فوقهما إلا الآب، وهو الغاية لمن أراد النجاة.

ومن أراد النجاة تمسك بالعروة الوثقى التي هي ولاية الوصي، ومن تخلف عن هذه الولاية كان من أهل الباطل لقول الإمام جعفر الصادق علينا سلامه: (لقد ارتقيتم إلى درجة ما فوقها مرقاة، ما بعد معرفة الله ورسوله إلا الباطل فماذا تطلبون؟)، دليلاً على أن جميع الأنبياء أشاروا إلى الأوصياء، فسيدنا النبي عيسى المسيح (ع) اعترف لوصيه شمعون الصفا (م) وهو المكنى (بطرس) بقوله: (أنت الصخرة وعليك أبني كنيستي)، فأقر أنه الملتجأ إليه والموثوق به، كما سيدنا النبي محمد (ص) أشار إلى وصيه الإمام علي (م)، وأعلن وصرح بأنه الولي بقوله: (أين منجز وعدي؟ أين قاضي ديني؟ أين مفرج الهم عني؟ أين علي وصيي؟)، فنسأل الله أن يثبتنا على هذه الولاية ويجعلنا من السالكين على سبيل النجاة إلى أبد الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى