معاني قرآنية

معنى شياطين الإنس والجن

معنى شياطين الإنس والجن

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

من هم شياطين الإنس؟ وما الفرق بينهم وبين شياطين الجن؟ وهل هم حقيقة أم خرافة؟

 

تعتقد المقصرة والحشوية أن شياطين الإنس هم فئة من الناس الأشرار، وإنما سموا كذلك لأن الشر غلب عليهم، وأكثر ما يصدر عنهم هو الشر مع وجود الخير فيهم!!

لكن الفهم العلمي لدينا كعلويين نصـيريين لمصـطلحي (شـياطين الإنـس وشـياطين الجـن) لا يمكن أن يتم إلا بالربط بين كلام القرآن الكريم وسيدنا النبي محمد المصطفى (ص) وسيدنا النبي عيسى المسيح (ع) وموالينا الأئمة المعصومين علينا سلامهم.

عندما يفصل القرآن الكريم بين شياطين الإنس وشياطين الجن في قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا)، فإنه يشير إلى الفصل بين عالم الإنس وعالم الجن بعيدًا عن الخرافات المنتشرة في صفوف العامة، فكما أن الله رتب المؤمنين في درجات متتاليات وجعل أهل العلم والمعرفة أولياء للذين آمنوا بعد الله عز وجل والنبي (ص) والأئمة علينا سلامهم، كذلك رتب الكافرين في دركات متتاليات يتدرجون بها ليبلغوا درجة الشيطنة في النهاية.

هذا يعني أن المقصود بقوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) هم المشركون والكافرون (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) وهم شياطين الإنس الذين يقودونهم، وهم موجودون بدليل قول رسول الله (ص) حين قيل له: يا رسول الله، وفي الناس شياطين؟ فقال: (نعم، أوما تقرأ قول الله: وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا).

وشـياطين الإنس أولياء المشركين والكافرين لقوله تعالى: (إنا جعلنا الشـياطين أولياء للذين لا يؤمنون)، وقوله تعالى: (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون)، فهؤلاء الشياطين الذين يقودونهم والذين هم أولياؤهم، هم الذين اجتازوا كل درجات الكفر حتى صاروا شرا كاملاً يخولهم أن يصبحوا قادةً للكافرين والمشركين والمنافقين، كما يهوذا الإسخريوطي الذي كان مزمعًا أن يسلم سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) فحذر منه بقوله: (أليس أني أنا اخترتكم الاثني عشر؟ وواحد منكم شيطان!).

وشياطين الإنس هؤلاء يسخرون المشركين والكافرين كيفما شاؤوا لأعمال الشر ومحاربة المؤمنين، وهو ما ذكره أمير المؤمنين الإمام علي (م) بقوله: (قد يتخبله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكته بعرض من الدنيا حقير، وينقله من شر إلى شر حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط فيجد الوجه إلى ما خالف الإسلام وأحكامه).

وأبرز ما نراه من مخالفتهم للإسلام هي بـدع التعطيل وشبهات التشبيه ونشر الأسرار علانيةً دونما أي وازع حتى يبلغوا درجة الأخوة مع شياطين الجن لقوله تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا)، وتراهم يسيرون خلفهم قطعانًا من المنافقين والكافرين والمشركين، وإن كانوا قد تلبسوا بلباس الدين والولاء فهذا من شيطنتهم لخداع المقصرين والضعفاء، وهذا الخداع هو الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، وهذا يعني دوام البدع والشبهات ومروجيها، وبالتالي دوام وجوب الجهاد ضدها.

أما شياطين الجن، فإنهم مخلوقات غير مرئية من قبل البشر لعدم استطاعتهم على رؤيتهم لاختلاف طبيعتهم حيث قال تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار)، ليكونوا عالمًا منفصلاً، كما قال ابن عباس: (الجن هم ولد الجان، وليسوا شياطين، منهم المؤمن والكافر وهم يموتون، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس)، وسمي جن لتواريه عن الأعين، فعالم الجن عالم غير مرئي، يستر نفسه عن بني آدم، لذلك سمي الولد جنينًا، أي متوار في بطن أمه، وسمي الجن من فعل (جن) أي غاب واستتر، وفي اللغة: (جن الشيء أي ستره)، وقال تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنةً) أي سترًا.

وإن التسخير يتحقق من شياطين الجن لشياطين الإنس بشكل مباشر كما حدث في قصة سيدنا النبي المسيح (ع) يوم العشاء الأخير حيث ورد في الإنجيل: (حين كان العشاء ألقى الشيطان في قلب يهوذا الإسخريوطي أن يسلمه).

كما يحصل التلبس بدليل قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا)، وهذا ما يتضح جليا عند المنجمين والسحرة الذين نراهم ينتشرون بكثرة في العراق ومصر والسعودية والمغرب، ونراهم غائصين في ادعاء كشف المستور وإحضار الغائب ورد الحبيب وأذية الناس والتنبؤ بالمستقبل وعلاج الصرع والجنون وانفصام الشخصية وهي أسماء علمية لأمراض نفسانية سببها سيطرة شياطين الجن على الإنسان وهو ما يسمى بالقرينة في قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين)، فالقرين روح شيطانية شهوانية إذا استولت على الإنسان أخرجته عن حد الطاعة إلى المعصية، ومن ذلك ما ورد في الإنجيل أنه: (كان في المجمع رجل به روح شيطان نجس فصرخ بصوت عظيم: “آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت: قدوس الله”، فانتهره يسوع قائلاً: “ﭐخرس واخرج منه”، فصرعه الشيطان في الوسط وخرج منه)، ولهذا أمثلة كثيرة نراها في حياتنا من الأمراض النفسية التي يعجز الطب عن علاجها، وبالطبع لا يستطيع شياطين الإنس الدجالون أن يشفوهم من أمراضهم البتة لقول سيدنا النبي المسيح (ع): (كيف لشيطان أن يخرج شيطانًا؟).

ومن شياطين الإنس من يدعي علم الغيب كاذبًا فمثلاً يقول لأحد البسطاء: (وضعك الصحي في خطر وذلك بسبب سحر قد قام به أحد أقربائك لأذيتك) وكلامه قد يكون صحيحًا لأنه إخبار من شياطين الجن الذين امتلكوا قدرات تفوق قدرات البشر، لكن البسطاء يظنون أن هذا الدجال يعلم الغيب أو صاحب بركة وكشف، وهو في الحقيقة من شياطين الإنس، لأن هذه القضايا ليست من الغيبيات طالما هي من أمور الدنيا، ومحاربتها تكون بتوعية الناس بعدم زيارة شياطين الإنس هؤلاء وعدم التعامل معهم وعدم اللجوء إليهم البتة، وبشرح هذه الحقائق لهم لكي يتجنبوهم دائمًا.

ومن أمثلة ذلك أيضًا بعض التوقعات المستقبلية التي يدلي بها شياطين الإنس سنويا على الفضائيات، ومنها ما يتعلق بالاغتيالات وما شابه، فمثلاً وجدناهم ادعوا معرفتهم المسبقة باغتيال رفيق الحريري في لبنان، واغتيال الرئيس المؤمن بشار الأسد أيضًا فتحقق ادعاؤهم الأول وكذب الثاني، مع أن كلا منهما من إخبار شياطين الجن لهم، وهذا ليس علمًا بالغيب، بل لأن باستطاعة شياطين الجن الاطلاع على الخطط والمكائد التي تحاك في الغرف المغلقة بإمرتهم من قبل شياطين الإنس من قادة الصهيونية، ويقومون بإيصال هذه المعلومات إلى أتباعهم من شياطين الإنس المتنبئين، فيتحقق منها ما أراد الله له أن يحدث كاغتيال الحريري مثلاً، ويكذب منها ما منع الله حدوثه كعدم إمكانية النيل من الرئيس المؤمن بشار الأسد لأن الرعاية الإلهية تشمله كما تشمل كل قادة الحق عبر العصور، ودليل ذلك ما ورد في الإنجيل أنه: (حين قرب عيد الفصح، كان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلون سيدنا النبي المسيح (ع)، فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي، فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم، ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضةً)، فهذا من تخطيط وتآمر شياطين الجن وسيطرتهم على شياطين الإنس، لكن الأمر لله عز وجل فلم تنجح مؤامرتهم فكان ما كان من إلقاء الشبه على يهوذا لقوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولـكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينًا).

 

والخلاصة:

المنافقون والمشركون والكافرون يقاتلون الناس بإمرة شياطين الإنس الذين يقف في وجوههم العلماء والأولياء الصالحون.

وشياطين الإنس مسخرون بأمر شياطين الجن الذين لا يجابهون إلا بقوة كبيرة مضادة وهي قوة النور لقوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين)، وقد ورد في الإنجيل مثل ذلك حيث تقدم رجل جاثيًا للنبي المسيح (ع) وقائلاً: (يا سيد ارحم ابني فإنه يصرع ويتألم شديدًا ويقع كثيرًا في النار وكثيرًا في الماء، وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه)، فأجاب يسوع (ع): (أيها الجيل غير المؤمن الملتوي إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟ قدموه إلي ههنا!) فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان، فشفي الغلام من تلك الساعة.

وإبليس ولي شياطين الجن وشياطين الإنس يجدد وعده كل حين بالإغواء كما ورد في الآية: (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫6 تعليقات

  1. الله يقدس روح للمؤمنين
    ويجعلنامن اتباع الهدى
    ويجيرنا من نزغ الشيطان
    وينور بصيرتنا بالايمان
    ويقوينا على جهاد النفس
    ويحشرنا مع المؤمنين ….

    اللهم يشفع لك …انت ولي الله
    ارجو منكم
    لو تكرمتم نشر الكثير من المقالات المشابهة
    لاننا فعلا نعيش في تخبط وفوضى في ارواحنا…

    اهدنا …هداك الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى