علوم علوية

محاولة أذية الأنبياء

محاولة أذية الأنبياء

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيف يمكن أن نفسر تعرض الأنبياء لأذى أقوامهم وهم معصومون؟

 

إن أحد أهم اختلافاتنا العقائدية مع الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة هو مفهوم العصمة، والدرجة الرفيعة التي نصل إليها كعلويين نصيريين هو عدم بخس الأنبياء حقهم في العصمة التكوينية. وجوابًا على هذا السؤال سأورد بعض الأمثلة:

في قصة سيدنا النبي موسى الكليم (ع)، ورد أن سيدنا النبي موسى (ع) كان شديد الحياء حتى لا يكاد يرى من جلده شيء، فتكلم بعض المغرضين من اليهود في حقه بالبهتان، وفسروا حياءه أنه استتار عن مرض فيه (برص أو آفة معاذ الله)، فظل يحتمل الأذى وهو صابر يدعوهم كما ورد في الآية: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم).

وقد كان اليهود شعبًا قساة القلوب لا يؤمنون إلا بما يعاينون، فهم قوم ماديون يثبتون أن الله تعالى أوجد الأشياء من شيء، فلولا أنه شيء لما استطاع إيجاد الأشياء أبدًا وفق مزاعمهم!!

كيف لا؟ وهم الذين رأوا الآيات العظمى من الحية والبياض وانفلاق البحر لهم ثم ابتلوا باتخاذهم العجل لقوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين)!! ولم يأخذوا بأمر الله بل وصلت قسوتهم أن علقوا إيمانهم بالله على شرط أن يروه جهرةً فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون!

ولم يكتفوا بأذية سيدنا النبي موسى (ع) بل تابعوا أذيتهم لسيدنا النبي المسيح (ع) الذي وبخهم قائلاً: (إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون).

ولكن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا)، إن دل فإنما يدل على أن الله تعالى يعصم أنبياءه ويبرئهم مما يفتريه عليهم السفهاء.

ولا ننسى كيف أعطى سبحانه القدوة للبشرية في صبر سيدنا رسول الولاية أيوب علينا سلامه في قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين).

كما كان بلاء سيدنا النبي يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصابرين بعدما فقد أحب أبنائه واحدًا تلو الآخر، فصبر ولم ييأس من روح الله، ولم يقل إلا ما يرضي الله، بل زاد تضرعه إلى ربه ورجاؤه إياه كما ورد في الآية: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون).

وقد أظهر سيدنا النبي يعقوب (ع) العمى لفراقه مولانا الوصي يوسف (م) في قوله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)، ثم أظهر الإبصار حين أرسل له مولانا الوصي يوسف (م) قميصه لقوله تعالى: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا)؛ فاختفاء مولانا الوصي يوسف (م) عن ناظر سيدنا النبي يعقوب (ع) عبر عنه بالعمى، أما القميص فكان مثال التجلي الذي إذا ألقي على وجه سيدنا النبي يعقوب (ع) أصبح مبصرًا، فالعمى والإبصار صفتان لسيدنا النبي يعقوب (ع)، أما المسبب لهذا العمى والإبصار فهو مولانا الوصي يوسف (م).

ومثل هذا البلاء لنبي الله يعقوب (ع) بمشيئة الله ليس ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عبرة وآية للمتوسمين لقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).

ونذكر في قصة سيدنا رسول الولاية يونس علينا سلامه قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فهل يعصي سيدنا رسول الولاية يونس علينا سلامه أمر ربه؟ وكيف يظن أن الله القادر على كل شيء لن يقدر عليه؟

إن نهجنا العلوي النصيري يؤكد أن سيدنا رسول الولاية يونس علينا سلامه لم يغاضب ربه، إذ لم يقل تعالى أنه ذهب مغاضبًا ربه، فمن زاد هذه الزيادة كان يكذب على الله ويزيد في القرآن ما ليس منه، وهذا ما لا يجوز لأنه غاضب قومه، وإن سيدنا رسول الولاية يونس علينا سلامه لم يقصد بذلك إلا رضى الله عز وجل، وهذا هو المعنى الصحيح، والذي يتضح جليا بفهم قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه) حيث جاء رجل فسأل ابن عباس: كيف يظن الرسول يونس أن الله لن يقدر عليه؟ فقال ابن عباس: ليس هذا، ألم تقرأ قول الله تعالى: (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن)، وهذا يعني أن كلمة (نقدر عليه) لا تشير إلى معنى الاستطاعة، وإنما تشير إلى معنى التضييق، فسيدنا رسول الولاية يونس علينا سلامه لما دعا قومه للتوحيد ونفروا منه وأذوه، تركهم غضبًا لله ولم يظن أن الله يحاسبه ويضيق عليه، وقد نبه سيدنا رسول الله (ص) إلى هذا الأمر وحذر من أن يسيء إنسان الظن برسول الولاية يونس علينا سلامه فقال سيدنا النبي محمد (ص): (‏لا يقولن أحدكم أنني خير من ‏يونس)، وهذا من تعظيم رسول الله (ص) لشأن الأنبياء والرسل ودفاعه عنهم.

وقد تضرع رسول الولاية يونس علينا سلامه إلى ربه منيبًا فقال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فاستجاب له ربه تعالى وجعل دعاءه هذا مأثورًا لرفع الكرب إلى يوم القيامة.

كل هذه المواقف تعتبر بينةً على براءة الأنبياء والرسل وجاههم وسلامتهم، لا نيلاً من عصمتهم، عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى