قضايا تاريخية

مجازر العثمانيين بحق العلويين النصيريين

مجازر العثمانيين بحق العلويين النصيريين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

مع الأيام اختلطت الأمور ببعضها، وتحولت المساجد إلى مكان للقتل والجريمة، واستمر الاضطهاد المرير لأبناء نهجنا العلوي النصيري على مدى قرون طويلة بدافع من العداء الديني، لذلك لابد أن نذكر ببعض الحقبات التاريخية التي ارتكب فيها العديد من مجازر الذبح والقتل والتمثيل بحق العلويين النصيريين في المساجد نفسها.

ويسجل التاريخ أفظع المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحقنا في حلب، بعد الحرب التي شنت على الدولة الحمدانية في القرن السادس عشر الميلادي، أشهرها مذبحة الجامع الكبير في حلب، في منطقة التلل الواقعة غرب القلعة، على يد الطاغية سليم الأول، بفتوى الفناء لابن تيمية. فماذا نقول عن مجزرة التلل التي ارتكبها العثمانيون بحق العلويين النصيريين في مثل هذا اليوم منذ خمسة قرون؟

عندما شعشعت أنوار الدولة الحمدانية بقيادة القائد المؤمن العلوي سيف الدولة الحمداني الذي كان أحد طلاب العلم في مدرسة سيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي، كان تجمع أبناء نهجنا العلوي النصيري متركزًا آنذاك في حلب ومناطقها، حيث شن آل زنكي أول حملة ضد أجدادنا في حلب ما أسفر عنها سفك الكثير من الدماء البريئة. ثم جاء بعد ذلك صلاح الدين الأيوبي وبعض الأيوبيين من بعده حاملين كل حقدهم وشنوا حملةً أشد وأعنف من سابقتها، وامتدت جذورها بدءًا من القرن السادس حتى القرن العاشر للهجرة حيث جاء الطاغية سليم الأول بأفظع المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق العلويين النصيريين في حلب.

وبتاريخ 24 نيسان سنة 1517 م، أي بعد الحرب التي شنت على الدولة الحمدانية في القرن السادس عشر للميلاد، كانت مذبحة الجامع الكبير في حلب على يد الطاغية سليم الأول بفتوى الفناء لابن تيمية لعنه الله، والتي أودت بحياة أكثر من أربعين ألف مصل وراح ضحيتها آلاف أطفال ونساء وشيوخ في منطقة (التلل) الواقعة غرب القلعة، والتي سميت كذلك بسبب تلل الرؤوس التي حزها أولئك الأصوليون التكفيريون، وكان ممن أيده على هذه الجريمة النكراء الداعية نوح الحنفي الذي أفتى بأن العلويين النصيريين خارجون عن الدين ويجب قتلهم، فأبيد بهذه الفتوى مؤمنو حلب العلويون، ونهبت أموالهم وتم تهجير الباقين، وقيل أن عدد الشهداء كان وقتها مئتا ألف شهيد من رجال وأطفال ونساء وشيوخ.

وبعد عملية الإبادة تلك والتخلص من معظم الرجال أطلق الطاغية سليم العنان لجنوده في استباحة المدينة لثلاثة أيام بلياليها، حيث استباح فيها جنود الطاغية كل شيء، فلم يتركوا شيئًا إلا استباحوه، ولم يتركوا جريمةً إلا اقترفوها ولا موبقةً إلا فعلوها ولا شيئًا إلا سرقوه ونهبوه، وبعد ذلك أشار مشايخ الطاغية عليه أن يفرض مذهبه على كل أرض تقع تحت سيطرته، ومن يخالف ذلك فدمه وعرضه وماله مستباح.

والرسالة التي وجهها قائد المجازر العثمانية على المناطق التي يقطنها العلويون إلى الطاغية سليم الأول، محفوظة في مكتبة (ستراسبورغ الوطنية الجامعية الفرنسية- قسم المخطوطات العربية)، وهذا هو نصها: (تحيات إجلال مقامات: تنفيذًا لأوامر سعادات، فقد تم تنفيذ القرارات والتوصيات، وقتل كل ما وقع من قرى النصيرية حتى أدغال الجسر وباب النسر، إلى شيزر ووادي خالد، حتى كتب لنا النصر، ولن يكون لهم وجود بعد الآن على مر الزمان، وخلصت البلاد من آفة وعلة الفساد، واستتب دين الإسلام في بلاد الشام، ولم يبق للنصيرية ديار ولن يعيشوا على أرض السلطان العظيم سليم، وقد أكلت بقاياهم وحوش الجبال وتماسيح الغاب، والعيش للسلطان بالرغاب).

وعلى هذه السيرة نذكر أنه في شهر رمضان من العام 1212 للهجرة، حدثت مجزرة رهيبة مفجعة بإيعاز من الأتراك العثمانيين، حيث عظمت الفتنة في حلب فالتجأ سادات العلويين إلى جامع (الأطروش) وحوصروا فيه ومنعوا من الماء، حتى فتحت أبواب الجامع ففتك (البكجرية) بهم ذبحًا وبقروا بطونهم وطرحوهم في الآبار وهم أحياء، ثم هجموا على أحيائهم في حلب فقضوا على كل السكان قضاءً تاما إلا الأطفال، فسمي الحي باسمهم: (حارة الصغار)، مما اضطر أجدادنا للتكتم بعد ذلك والتستر بأحد المذاهب الأربعة حتى انقرضوا تقريبًا في حلب وتسنن معظمهم، وبقي منهم عدة بيوت يقذفهم الناس بأنهم رافضة، ومنهم من لم يزل محافظًا على مذهب أهل البيت لا يصـرح إلا لمن يثق به.

وقد شملت هذه المجازر المذكورة ما لا يعلم عدده من أجدادنا العلويين إلا الله، مما أدى إلى لجوئهم إلى إخوانهم المنعزلين لنفس السبب في أقاصي الأرياف وفي رؤوس الجبال وسفوحها السورية الغربية، وكانت للجميع عاداتهم الفطرية مشوبةً بالخوف والذعر من عاديات الزمن، ومنبثقةً في ماهيتها من الطبيعة الصافية، ومن التعاليم الروحية السماوية.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى