قضايا تاريخيةمن قصص الأنبياء

لا تغلوا في دينكم

الغلو في عيسى المسيح وسليمان الحكيم

لا تغلوا في دينكم

بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد

 

كتب الباحث السوري في الشؤون الدينية أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

ورد في كتاب نهج البلاغة عن مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (هلك في رجلان: محب غال ومبغض قال).

كم هو غريب أن نتهم كعلويين نصيريين بالغلو لإقرارنا بما جاء في كتاب الله من عصمة مطلقة تكوينية للأنبياء والرسل، في الوقت الذي يتسابق فيه كثير من علماء الشيعة والسنة والجماعة لتطبيق مفاهيم الغلو الحقيقي في معتقداتهم بقصد أو بدون قصد، فمن مصاديق الغلو أن يجعلوا الأنبياء والرسل والأئمة والبشر شركاء لله في كل شيء ثم يفرطوا بهم إلى درجة البشرية المساوية لنا، وكأن الله تعالى حل فيهم أو اتحد بهم لحين ثم أعادهم إلى بشريتهم بازدواجية فكرية وانفصام اعتقادي غريب، وهذا ما لا يمكن أن يتفوه به المسلم العلوي النصيري قط..

فعندما نبحث في كتب أهل الشيعة وأهل السنة والجماعة نجد فيها المئات من الاعتقادات الغريبة والأفكار المريبة، منها على سبيل المثال لا الحصر أن الأنبياء والرسل عند الكثير من علمائهم لا معاجز لهم ولا قدرة، وليسوا معصومين عن الخطأ والسهو والمعصية صغيرها وكبيرها، من أول العمر إلى آخره، وقبل بعثتهم وبعدها، وأنهم ليسوا منزهين عن كل ما ينفر عنهم من الصفات الذميمة والطباع السيئة والأفعال القبيحة؟!! ويجوز للنبي والرسول عندهم أن يسهو في صلاته وأن يشك في نبوته؟!! وأن النبي والرسول كان يضرب من لا يستحق، ويلعن بغير حق، ويسمع المعازف مع أهله؟!!

وبالمقابل نجد كم تغص كتب علماء السنة والجماعة مثلاً بتعظيم أبي هريرة وبعض الصحابة على حساب النبي وأهل بيته (ع)!! فليقف أحدنا بحيادية أمام الكم الهائل من الأحاديث التي تعظم صفات ومكارم كل من الصحابة كأبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم، وفي نفس الوقت تصف الرسول بما لا يليق به من النسيان والعصيان والخطأ والذنب والدعوة للقتل وحب النساء والشهوة وووووإلخ!!!

وكم تغص كتب علماء الشيعة بتعظيم الإمام الحسين علينا سلامه إلى درجة تعلو عن تعظيم مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م)!! وتفضله عن الأئمة رغم أنهم جميعًا أشاروا إلى أنه لا تفاضل بينهم حيث قال الإمام الصادق علينا سلامه: (أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد)!! بل نجد هذه الكتب تعظم صحابة الأئمة عن الأئمة أنفسهم، لدرجة أننا نرى أحاديث متناقضةً للأئمة مرويةً في كتبهم، ولا تخلو أحيانًا من بعض الإسفاف الأخلاقي الذي لا يليق بمقامهم العظيم، معاذ الله أن يروي الأئمة المعصومون أحاديث كتلك الأحاديث التي عرضت نموذجًا عنها في مقال سابق بعنوان: (متى يتخلصون من عبادة الأشخاص؟).

عدا عما نراه اليوم من تأليه الوهابيين لسيدهم ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ورفعهما لدرجة فوق درجة سيدنا نبي الله محمد بن عبد الله (ص)!!

كل هذا الانحراف والغلو الذي اتصف به كثير من أصحاب هذه المغالاة جعلهم يموهون أنفسهم بالافتراء علينا ومحاربتنا في الماضي والحاضر، لأننا رفضنا أن نسايرهم أو نساومهم على عقيدة الإسلام الحقة وعصمة الأئمة والأنبياء والرسل (ع) فقط دون غيرهم.

وأجد أنه من المناسب أن أذكر أمثلةً من الآيات التي فيها إشارات إلى عصمة الأنبياء والرسل (ع) ومقامهم التكويني العظيم، وكيف كانوا يستطيعون التصرف بالكون، وبهذه الإشارة نعود إلى بعض آيات القرآن في هذا المجال:

 

المثال الأول:

قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).

في هذه الآية يدور الحديث أولاً عن الألطاف الإلهية بحق سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) حيث (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)، ثم بعثه كرسول إلى بني إسرائيل (ورسولاً إلى بني إسرائيل)، ومن ثم يشرح كلام سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) في إثبات أحقيته وبيان معاجزه التي تم بيانها في خمس مراحل: يقول في الأولى: (أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله)، وفي الثانية والثالثة: (وأبرئ الأكمه والأبرص)، والرابعة: (وأحيي الموتى بإذن الله)، والخامسة: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).

إن التمعن في مضمون هذه الآية يوضح هذه المسألة وهي أن سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) ينسب شفاء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى إلى نفسه، ولكن بإذن الله وأمره، وهذا هو المقصود.

هذا النموذج وهبه الله تبارك وتعالى لسيدنا النبي عيسى المسيح (ع)، ولا مانع أو حائل أبدًا من إعطاء مثل ذلك لسائر الأنبياء أو الرسل (ع).

وملخص الكلام يثبت بأن هذه المعجزات لسيدنا النبي عيسى المسيح (ع) في نطاق خاص، وليس هنالك دليل على اختصاصها المطلق به، بل يمكن أن تصدق بحق سائر الأنبياء أو الرسل (ع) بمقتضى أن حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

 

المثال الثاني:

قوله تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد)، وقوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفةً تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين، ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين)، وقوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون) أي يمنعون، وقوله تعالى: (وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين)، وقوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورةً كل له أواب).

في هذه الآيات يتحدث تعالى عن تسخير الرياح لسيدنا النبي سليمان الحكيم (ع)، ويستفاد من هذه الآيات أنه وكما أن الشياطين كانت تنفذ أمر سيدنا النبي سليمان الحكيم (ع) وتنجز له أعمالاً مهمةً في البر والبحر، فإن الريح كانت تنفذ أمره أيضًا، وكانت تتحرك حيث يأمرها.

إن قصة سيدنا النبي سليمان وسيدنا رسول الولاية داود علينا سلامه نموذج فذ، وإذا راجعنا سورة النمل، فإننا نجد فيها نماذج فذةً عن تعاطي سيدنا النبي سليمان وسيدنا رسول الولاية داود علينا سلامه مع ما آتاهما الله سبحانه في هذا المجال. وأول ما يواجهنا في الحديث عنهما أنه تعالى قد وفر لهما الأدوات الضرورية للتعامل مع هذه المخلوقات في نطاق رعايتها وهدايتها وتوجيهها، فنجدها تبدأ الحديث بأن الله قد آتاهما علمًا، وعلما منطق الطير، وأوتيا من كل شيء، ثم ذكرت الآيات نماذج تطبيقيةً لهذا العلم، وللمعرفة بجميع الألسنة.

ثم لتأثير ما آتاهم الله سبحانه في إدارة الأمور، وتوجيهها ورعايتها، والهيمنة عليها بصورة حيوية وبناءة وإيجابية، لا تأتي إلا بالخير، ولا تؤدي إلا إلى الفلاح.

 

لأجل هذا الإجلال والتعظيم والإقرار بعصمة الأئمة والأنبياء والرسل (ع) كان اتهامنا بالغلو شعارًا ضدنا!!

فها هو ابن تيمية (شيخ الإسلام!!!) المعتمد الرسمي في كل كليات الشريعة الإسلامية يفتي بفتواه الشهيرة بأن العلوية النصيرية أشد كفرًا من اليهود والنصارى!! وأن الجهاد ضدهم أولى!! ودعا هو ومن جاء على طريقه المنحرف إلى قتلهم وذبحهم…. إلخ!! فهل هذه هي أخلاق الإسلام المحمدي السمح!؟

وعلى نفس الطريق لكن في الضفة الأخرى نرى ما يدرس في الحوزات من كلام الشيخ المفيد الذي وصف العلوية النصيرية بأنهم ضلال كفار!! وزعم أن مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) حكم فيهم بالقتل والتحريق بالنار!! وأن الأئمة علينا سلامهم قضوا عليهم بالكفر والخروج عن الإسلام!! أي أن العلوية النصيرية معدودون في زمرة الكفار، وإن أظهروا الإسلام وبالغوا في مدح أهل البيت!!

 

ثم تأتي رسائلهم إلينا عبر قنوات متعددة بأنه لا يجوز أن ندافع عن العلوية النصيرية لأن هذا الدفاع فتنة!! بل يجب علينا السكوت والصمت عن ممارساتهم ودعواتهم وأعمالهم على الأرض حتى تنتهي الأزمة وتخمد نيران الحرب!! وبالتالي يكون كما يقول المثل الشعبي: (من ضرب ضرب، ومن هرب هرب) لأنه عندئذ ستكون ثقافتهم التكفيرية ضدنا قد انتشرت وأزلت الكثير من الضعفاء، وبالتالي لا فائدة من الكلام بعد انتهاء الحرب، فهل ما يطالبوننا به جائز بحكم العقل والمنطق والدين الإسلامي الذي لا يرضى بالضعف امتثالاً لقول سيدنا الرسول الأعظم (ص): (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)؟؟

 

 

في الختام ولجميع من يكفرنا:

لسنا كفارًا كما كنتم وما زلتم تصفوننا لأننا كنا ساكتين عن افتراءاتكم ضدنا.. ولا تكفيريين كما تصفوننا اليوم وستصفوننا غدًا لأننا رفعنا الصوت عاليًا في مواجهة افتراءاتكم.. فتخلوا عن غلوكم وكذبكم على الله تعالى ورسوله وأئمته (ع) لتنجوا امتثالاً لقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق).

 

مقال نشر على موقع مصر تايمز يوم الاثنين 27 شباط 2017

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى