من قصص الأنبياء

قصة سيدنا موسى والخضر

من هو العبد الصالح الذي رافقه النبي موسى؟

قصة سيدنا موسى والخضر

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل العالم الذي رافقه النبي موسى (ع) هو سيدنا الخضر علينا سلامه؟ وما هو المراد من قصة موسى والخضر؟ وما هي العبرة منها؟

 

يقول تعالى في كتابه العزيز: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)، ومن قصص القرآن التي حملت الكثير من المعاني قصة سيدنا النبي موسى كليم الله (ع) وسيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه، الذي يعرفه أهل الشرائع جميعها، فهو عند الإسلام (العبد الصالح)، وعند المسيحية (مار جرجس)، وذكر مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) أن اسمه (تاليا)، وهو الذي قال الإمام الصادق علينا سلامه فيه: (إن الخضر جاء إلى قومه، فـدعـاهـم إلى توحـيد الله، والإقرار بأنبـيائه ورســله وكتبه، وكانت آيته أنه كان لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا اهتزت خضارًا، وإنما سمي الخضر لذلك)، وقال تعالى فيه: (فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا) وهي الوحي والنبوة قبل الرفع، (وعلمناه من لدنا علمًا) أي بما يختص بالرفع والتشريف الممثول بالعلم وهو علم التشريف بعد الرفع.

وما قصة سيدنا النبي موسى (ع) مع رسول الولاية الخضر علينا سلامه إلا لتعليم المؤمن ألا يظن أنه علم كل شيء إذا بلغت نفسه الماديات، فالإشارات تحمل في طياتها علمًا كثيرًا لا يطيق حمله الضعفاء.

أخبر سيدنا النبي موسى (ع) مولانا الوصي يوشع (م) أن يتزود لطلبه حيث قال تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبـًا)، وكانت علامته للوصول إلى مجمع البحرين أن يحمل حوتًا، فإذا انتعش وحيا دله على وصوله.

فحملا حوتًا وسارا ومرا بالعبد الصالح الذي لم يعرفه سيدنا النبي موسى (ع)، فقام يصلي، وأخرج مولانا الوصي يوشع (م) الحوت ووضعه على حجر، وحيا، فأفلت من يده ودخل البحر، وأظهر مولانا الوصي يوشع (م) أنه نسي أن يخبر سيدنا النبي موسى (ع) بذلك، فتركا العبد الصالح على الصخرة ومشيا من ذلك الموضع، وبعد أن غادراه أخبر مولانا الوصي يوشع (م) سيدنا النبي موسى (ع) عن أمر الحوت، كما قال تعالى: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره)، وقد كان في ذلك علامةً لمعرفة ذلك العبد الصالح، فعادا يبحثان عنه.

وقد ورد أن سـيدنا النبي موسى (ع) ومولانا الوصي يوشع (م) قد رجعا فوجدا الحوت قد خر في البحر، فاقتصا الأثر حتى أتيا العبد الصالح في جزيرة من جزائر البحر، فسلم عليه سيدنا النبي موسى (ع)، فأظهر تعجبه من السلام، إذ كان بأرض ليس فيها سلام، وقال: من أنت؟ فأجابه: أنا موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليمًا. فقال: وما حاجتك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا لقوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا)؛ يعني: أريد أن أصحبك على أن ترشدني إلى العلم وهو اعتراف من سيدنا النبي موسى (ع) بمقام ومنزلة سيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه في علم الولاية، فقال سيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه: (قال إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا)؛ يعني: إن لدي أمرًا لا تحتمله بالولاية، فلا استطاعة لك عليه، ولا صبر لك على ما لم تحط به اختبارًا وفهمًا، فقال سيدنا النبي موسى الكليم (ع): (ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا)، فقال له سيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه: (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا).

فالرشد الذي ذكر في الآية، هو الاهتداء إلى إصلاح المؤمن لعقيدته بتنحيتها عن رذائل التشـبيه والتـعطيل وتحليتها بخصـائل التوحيد، ويعبر عنه بالعشـق، وقد أدبنا سـيدنا النبي موسـى (ع) بكيفية الطلب، حيث تنزل من مقامه العالي إلى مقام السائل، وأبرز الطلب والسؤال بصورة الاستفهام، وفي هذا تعليم للعباد كيف ينبغي لمن أراد العلم أن يطلبه من العالم، وتنبيه للمؤمن، وإن كان ذا فضائل كثيرة، فلا ينبغي أن يتأفف عن التعلم، بل ينبغي أن يطلب ما افتقده ممن يعلم أن المفقود عنده.

وقد قال سيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه تعظيمًا لعزم سيدنا النبي موسى الكليم (ع) وتثبيتًا وتكميلاً، وتمهيدًا لأخذ الميثاق الأكيد عليه: (إنك لن تستطيع معي صبرًا)، وذلك لأن لسيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه أمر لا يحتمله سيدنا النبي موسى (ع)، فالنبي موسى (ع) وكل بعلم الإشارة وحفظ المراتب وتشريع الظواهر وحفظ الحقوق وإيصالها إلى أهلها، وإجراء أحكام الحلال والحرام وحدودهما، وذلك أمر عظيم هو مقام الكثرة، مع كماله في التوحيد، وإن كانت الكثرة تناقض بشرائعها أسرار التوحيد وغرائبه. أما رسول الولاية الخضر علينا سلامه عل فهو صاحب الولاية ووكيل جوهرها، ومالك أسرار التوحيد. فالمؤمن الحافظ لأوضاع الشريعة المتناقضة وأحكام الكثرة الظاهرة، غير المحيط بجوهر الولاية وأسرار التوحيد، لا يمكنه تحمل ما يظهر من الغرائب من صاحب الأسرار.

في هذه القصــة تعليم للمؤمن أن يداوم على التعلم العرفاني الجوهري الخاص، والتوجيب للمعلم الرسولي الذي يلقي إليه معرفة الله تعالى، التي فيها نجاته، وألا يعجب المرء بعلمه لقوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور)، وألا يبادر إلى إنكار ما لم يعرفه وتكذيب ما يسمعه، فلعل فيه ســـرا لا يعلمه.

وقد أراد سيدنا رسول الولاية الخضر علينا سلامه مما أظهره تعليم المؤمنين السلوك إلى الله، فأرفع مراتب السلوك هو السير بالخلاص من مرحلة الماديات للوصول إلى الروحانيات، وذلك يحتاج إلى محو البدن والنفس حتى يتخلص من سلطان الشهوات، ويسلم لقوى العقل، وبالمعنى التوحيدي: إن الســـلوك إلى معرفة الله هو معرفة توحيده إثباتًا ونفيًا، إذ ســئل الإمام الحسين علينا سلامه: ما رأس العلم؟ فقال: (معرفة الله حق معرفته). قيل: وما حق معرفته؟ فقال: (أن تعرفه بلا مثال ولا شبيه ولا ند).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

 

يتبع: المقاصد في رحلة النبي موسى مع سيدنا الخضر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى