عدم التفريط بالإمام المعصوم
عدم التفريط بالإمام المعصوم
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
حقيقة التوحيد هي الإخلاص للإمامة كغاية، والتمسك بالرسالة كطريقة، فعندما نتحدث عن الإمامة، نتحدث عن مقام غير الرسالة، ولكن البعض ساوى الإمامة مع الرسالة فأخطأ، والبعض الآخر جعل الإمامة أدنى من الرسالة فأخطأ.
النبي يعلن للخلق مقام الإمامة كما فعل سيدنا النبي محمد (ص) عند إعلانه إمامة سيد الوصيين وأمير المؤمنين الإمام علي (م) في قوله له: (أنت ولي كل مؤمن بعدي)، وقوله في حديث الغدير مشهور وكاف لتكتمل رسالته، لأنه (ص) قال: (أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي).
الإمامة تتطلب شروطا أهمها العصمة، بدليل قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)، هذه العصمة حقيقة موجودة عند الأئمة كلهم، وقد ورد عن الإمام محمد الجواد (علينا سلامه) قوله: (أما علمتم أن أهل هذا البيت ليسوا خلقا من هذا الخلق، أما علمتم أن رسول الله بايع الحسن والحسين وهما صبيان).
كما ورد عن عبد الله بن عباس أنه سمع سيدنا رسول الله محمد (ص) يقول عن نفسه وعن الحسن والحسين والتسعة من بعد الحسين أنهم (مطهرون معصومون)، فحقت الإمامة للحسن والحسين كما صحت لمن أتى بعدهما من الأئمة (علينا سلامهم) حيث قال أمير المؤمنين الإمام علي (م) لهما: (أنتما سيدا شباب أهل الجنة، إمامان معصومان حفظكما الله، ولعنة الله على من عاداكما).
السؤال الذي نطرحه هنا: كيف ربط البعض بين ضعف وعجز الأئمة وعصمتهم؟
لقد أخطؤوا عندما اعتقدوا أن الإمام يمكن أن يحس بما يحس به البشر، ويعاني ما يعانيه البشر، ويتألم لما يتألم منه البشر، فوصلوا إلى نتيجة أن للأئمة خصائص جسمية بشرية، وأن الأئمة يعيشون نقاط الضعف البشري! وأن هناك نقصا تكوينيا في الشخصية الإمامية!
إن الإمام هو كل من ائتم به القوم واقتدوا بقوله وفعله، فهو يعني المثال والقدوة والمقصود، وهكذا نرى الإمام الحسين (علينا سلامه) قائدا مجسدا للقيم الخيرة والأخلاق السامية، ممثلا للحق ضد الباطل، وللعدالة ضد الظلم، وللهداية ضد الضلالة، وللتوحيد ضد التشبيه والتعطيل.
نحن لا نغالي به، فمن غالى بالإمام الحسين (علينا سلامه) كمن غالى بسيدنا النبي عيسى المسيح (ع) عندما أفرط بتسليمه له ورفعه إلى درجة عظيمة، ثم ناقض نفسه وفرط به، والله تعالى يقول: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا)، ولهذا ورد في الإنجيل المقدس: (ملعون كل من مات معلقا على خشبة)، لنفي أن يكون هو المصلوب.
نحن لا نبكي على الإمام الحسين (علينا سلامه) لأن الله رفعه إليه كما رفع سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) إليه بالحجة الواضحة البينة، لكن من اقتدى بالمنكرين لرفع سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) إلى الله، لم يقبل برفع الإمام الحسين (علينا سلامه) إليه.
هذا يعني أننا نرتقي في التماس الدروس من الأئمة، ومنهم الإمام الحسين (علينا سلامه) الذي تميزت خطبه بالدعوة إلى عبادة الله حق عبادته. هذه العبادة تتطلب صحة في العقيدة التوحيدية، وهو الأمر الذي أكد عليه الإمام الحسين (علينا سلامه) مرارا وتكرارا، فقد كان له دور بارز في محاربة أصحاب العقيدة المشبهة المشركة، الذين سموا بالمارقين، فقال (علينا سلامه): (أيها الناس اتقوا المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شيء).
وتابع الإمام الحسين (علينا سلامه) على نهج أمير المؤمنين الإمام علي (م) في توحيد الباري، إذ أثبت وجود الله لخلقه في قوله (علينا سلامه): (هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها)، وأقام ميزان الحق في قوله (علينا سلامه): (احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض) لقوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم). ثم أفرد ذات الباري عز عزه عن الصفات المحسوسة في قوله (علينا سلامه): (لا يوصف بشيء من صفات الخلائق)، وعن الأفعال المعقولة في قوله (علينا سلامه): (ما يتصور في الأوهام فهو خلافه)، لأن جميع ما أوجده من أسماء وصفات وأفعال في الخلق إنما هي من صنعه جل وعلا وليست سابقة له، دليل ذلك في قوله (علينا سلامه): (به توصف الصفات لا بها يوصف، وبه تعقل المعارف لا بها يعقل).
فمن كان يرى الإمام الحسين (علينا سلامه) وفق هذه الرؤية الجليلة لا يفرط به ولا يخفض مقامه، بل على العكس، يحمد ربه دائما على هذا الانتماء الشريف، ويعمل جاهدا ليحافظ على نفسه من عبث البدع وعشوائية الشبهات وفوضى الانحراف.
ويبقى الإمام الحسين (علينا سلامه) رمز الحق الذي سحق دولة الطغاة، وسيسحق نهجه الذي نسير عليه اليوم دولة الباطل الممثلة بالتكفيريين المجرمين.
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا



سلمت يمناك وزادك الله دكتورنا الغالي
ربي يحفظك
سلمت يدا دكتور
الله يزيدك علم وشرف
سلمك الله