صمت المؤمن
صمت المؤمن
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
إن من أعظم خصال المؤمن الموحد الصمت، ولكن معظم الناس لم يفهموا معنى الصمت الحقيقي الذي أمرنا به، فأخذوا الكلمة بمدلولها الحرفي دون الغوص في المراد منها، فسقطوا بقياسهم واجتهادهم.
فالضعفاء ظنوا أن الصمت هو السكوت عن قول الحق، والهروب من مواجهة الباطل، لذلك تراهم كلما نطقنا بالحق ودافعنا عنه لدحض الباطل ثاروا ضدنا شتما وتطاولوا علينا واتهمونا بخرق التقية، ورددوا كلماتهم المأثورة: ليس هنا مكان للأحاديث الدينية! ومن كلفكم بالرد؟ والله يحفظ دينه! ومن ذهب فليذهب… إلخ!
كما كان أسلافهم يعاندون العلماء فيقولون لهم: لماذا تكتبون؟ ومن كلفكم بالرد؟ لقد كتب من سبقكم ولم يتركوا شيئا! حسبكم ما بين أيديكم!
هؤلاء أغواهم إبليسهم فخرجوا عن صمتهم لمعارضة الحق فوقع فيهم قول سيدنا رسول الله محمد (ص) حين قال له رجل: يا رسول الله أوصني. فقال (ص): (احفظ لسانك، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم).
أما الأشرار من أشباه العلماء الذين نصبوا أنفسهم مفتين في الناس، فقاسوا برأيهم تعطيلا واجتهدوا بأهوائهم تشبيها، تراهم يعيثون في الدين فسادا كما سبقهم التسعة الرهط في قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)، فالمدينة هي مدينة العلم التي قال فيها سيدنا رسول الله محمد (ص): (أنا مدينة العلم)، وهؤلاء الرهط يفسدون أبناء هذا الدين القويم بمقالاتهم وكتاباتهم ومعتقداتهم المليئة بشبهات التشبيه وبدع التعطيل، فإذا نبهتهم عن أخطائهم لا يصلحون، بل يستمرون في الإفساد لأن هذا ديدنهم ولهم عذاب في الدنيا والآخرة، وقد صدق فيهم قول سيدنا رسول الله محمد (ص): (من لم يحسب كلامه كثرت خطاياه وحضر عذابه).
أما المؤمنون المخلصون فتراهم كما وصفهم تعالى بقوله: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين)، فهم يحفظون حدود الله تقية ولا يتعدونها، ويقيمون أصول التوحيد أمرا بالمعروف، ويردون على شبهات التشبيه وبدع التعطيل نهيا عن المنكر، كما جاء الأمر عن سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) بقوله: (ابقوا في بيوتكم، واتركوا الخطيئة، واعبدوا الله بخوف فبهذا تخلصون، لأني لم آت لأخدم بل لأخدم)، فالبقاء في بيت التوحيد، وترك خطيئة التشبيه والتعطيل، وعبادة الله بالمجاهدة خوفا من الضياع هي الإخلاص في خدمة الحق.
وهكذا يكون التزام الصمت المحمود الموسوم بالتوحيد، فلا هم للحق نافون منكرون، ولا للأسماء والصفات والأفعال والأشياء عابدون، بل عباد مخلصون بالتوحيد إثباتا وإفرادا لقوله تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


