معاني قرآنية

شبهة الشهر النسيء

شبهة الشهر النسيء

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

انتشر الحديث بكثرة في الآونة الأخيرة حول شبهة الشهر النسيء. ويتحدث أصحاب هذه الشبهة التي كانت في الجاهلية وأعيد تجديدها عن وجوب إضافة شهر كبيس إلى أشهر السنة القمرية الاثني عشر من أجل تقويم الانحراف الذي حصل للأشهر عن مواسمها كي تعود أشهر الربيع إلى فصل الربيع، وأشهر الجماد إلى فصل جماد الحبوب والحصاد، وأشهر الحج الى فصل الشتاء الفصل الأفضل نسبة لمناخ مكة الصحراوي ليكون موسما للحج وفتح الأسواق فيها حيث يكون الطقس معتدلا والحرارة معتدلة، وحيث يتساوى الليل والنهار في شهر رمضان- الثابت في أيلول- في أنحاء الأرض كلها حسب مزاعمهم! متذرعين بقوله تعالى: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وكأنما يريدون القول: أن قريش في الجاهلية كانت محقة في تقويمها إلى أن جاء الإسلام فأبطله، وهذا افتراء كبير وخطير على دين الإسلام وعلى الكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).

يعتمد أصحاب هذه الشبهة غير معروفة الأصل على نسخة مخطوطة من المصحف موجودة في تركيا يزعمون أنها النسخة الصحيحة من القرآن الكريم.

ويطول الحديث في إدراج تبريراتهم التي تعتمد على القياس في موضوع الأعداد وتناسب السنة الشمسية والقمرية، وما هو متبع في دول الغرب والشرق، رغم أن توقيت فصل الشتاء في نصف الأرض الشمالي هو توقيت لفصل الصيف في نصف الأرض الجنوبي.

وقد برز بعض المنحرفين لتعويم بدعتهم وتشكيك أبنائنا بالتقويم المتبع ونسبه لأعداء الإسلام لإقناع المتلقين الضعفاء بذلك.

من هنا يتوجب علينا الرد على شبهة إضافة الشهر النسيء ببعض النقاط التي تبطلها وتبطل أثرها عند أهل الإيمان لأن الخطاب موجه لهم، وسألخص الرد لعدم الإطالة بالنقاط الآتية:

  • إن هذه الشبهة انطلقت من التشكيك بالقرآن الكريم، بأسلوب يندرج تحت مسمى تغطية الحق بالباطل. نحن لا نشكك بالقرآن الكريم، لكننا نؤمن بأن القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد (ص) محفوظ. ما يجعلنا لا ننخدع بشبهة الشهر النسيء التشكيكية هو أن الأئمة أشاروا إلى محاولات التحريف في القرآن وذكروا كيف نزلت الآيات وكيف كانت تقرأ، ولم يذكروا ما يتعلق بآية النسيء، وبالتالي لا يجوز التصديق بأنها آية محرفة اجتهادا وقياسا كما فعل أصحاب البدعة.
  • إن سيدنا رسول الله (ص) لم يذكر حديث الثقلين عبثا، وهو قوله (ص): (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما)، بل جاء الحديث ليحذرنا من تجاهل أحاديث أهل العصمة الصحيحة، لأنها الحافظة والحامية للذكر الذي سيحاول تحريفه الظالمون عبثا، متناسين قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)؛ فقال: (الذكر)، لأن القرآن هو جملة الكتاب؛ وهو الذي تعرض لمحاولات التحريف كما أوضحت أحاديث الأئمة المعصومين، أما الذكر فهو الفرقان؛ وهو المحكم الذي أشار إليه الإمام محمد الباقر (علينا سلامه) بقوله: (لا يستطيع أحد أن يدعي أن عنده القرآن جميعه ظاهره وباطنه غير الأوصياء)، فحفظ الذكر مخصوص بالولاية المحفوظة التي عجز أعداء الحق عن اغتصابها.
  • إن الآية الكريمة: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون)، والتي وضعوها كشاهد لتأييد البدعة التي جددوها لا علاقة لها بالشهر النسيء ولا بزيادة شهر كبيس، ولا بمساواة واجبة بين السنة الشمسية والسنة القمرية، لأن الله تعالى فرق أصلا بين الشمس والقمر ولم يساو بينهما، بدليل أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وهناك فرق بين الضياء والنور، فمن الطبيعي أن تكون السنة الشمسية مختلفة عن السنة القمرية، وأن تكون السنة الشمسية ثابتة لثبات الشمس، والسنة القمرية متغيرة لتغير منازل القمر من أول الشهر القمري إلى آخره لقوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، وعلى هذا فإن شبهتهم تحاول أن تثبت السنة القمرية على غرار السنة الشمسية، وكأنها تدعو لتحقيق المساواة بين الشمس والقمر، وهذا مخالف لقوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر). ولا يجوز أن يكون القمر ثابتا في السماء لا في الشكل ولا في الموقع، ولا يكون اليوم كما كان في مثل هذا اليوم من السنة الماضية، ولا كما سيكون في مثل هذا اليوم من السنة القادمة، فالتغير وعدم الثبات جار أبدا، وهناك حكمة عظيمة في هذا الاختلاف ما بين الثبات والتغير تتجلى بأبهى صورها في قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن)، فمهما اختلفت الشؤون فإن حقيقتها لا تختلف ولا تتبدل (فبأي آلاء ربكما تكذبان).

 

لهذه الدلائل كلها أبطل الإسلام الشهر النسيء الذي كان في الجاهلية قائما، لأنه يؤدي إلى الشرك والكفر الذي جاء دين الإسلام لإبطاله، ولهذا قال تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

شبهة الشهر النسيء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى