قضايا تاريخية

دور علماء الدين في مواجهة المفسدين

دور علماء الدين في مواجهة المفسدين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو دور علماء الدين في مواجهة الفاسدين؟

 

سعى الإسلام بأحكامه إلى حماية المجتمع ووقايته من العابثين بأمنه واستقراره، ومن الذين يتهددونه بالمس بقيمه وأخلاقه، فضمان تقدم المجتمعات هو بحفظ قيمها وأخلاقها وعدم المس بها.

والتركيز على حماية المجتمع بصون أركانه يبدأ بالتشديد على الوقاية بتعزيز مناعته، ومواجهة الفساد والانحراف.

وقد وصلنا إلى وقت كثر الحديث فيه عن القتل والذبح والزنى والسرقة والسطو والخيانة وسلب أموال الدولة واستغلال المسؤولين لمناصبهم حتى صارت أخبار الفساد خبرًا كبقية الأخبار، وأصبحت توجد التبريرات لهذه الأفعال عندما يبرر أو يوجه الفساد ويصبح هو الواقع.

ومن هنا، جاء التوجيه الإلهي حاسمًا في مواجهة المفسدين والمنحرفين في قوله سبحانه وتعالى يقول: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، فقد توعد بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهم القائمون على الفساد في البلاد، لأن فسادهم وإفسادهم كان سببًا في شيوع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فهم المسؤولون عن شيوع الجريمة بأنواعها، وهم المسؤولون بإفقارهم للشعب عن شيوع الرشوة والسرقة والرذيلة والمتاجرة بالأجساد لتلبية الحاجات المادية والفيزيولوجية للناس، وغير ذلك من المسؤوليات التي قصروا بها.

ولهذا يحث نهجنا العلوي النصيري على مواجهة المفسدين وفضحهم اقتداءً بثوار الإسلام الحقيقيين الذين قدموا تضحياتهم الجمة لإبطال فساد المفسدين، في الوقت الذي كانت فيه رموز السنة والشيعة مهادنةً للمفسدين باعتبار ذلك تقيةً برأيهم؟

فأين مواجهة المفسدين عند المسلمين حين اغتصبت الخلافة بعد غيبة رسول الله (ص)، وحين سرقت أموال بيت مال المسلمين في عهد عثمان بن عفان!!

وكم من الناكثين والمارقين والقاسطين ظهروا حين حشدت الجيوش لمحاربة أمير المؤمنين الإمام علي (م)، وحين حاربوا الإمام الحسين علينا سلامه ورجاله تحت رايات معاوية ويزيد (لع)؟

وأين غابت أصواتهم حين استشهد الصحابة المقربون كعمار بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري ومالك الأشتر وأويس القرني (ع) وغيرهم على يد رجال بني أمية وبني العباس؟

وأين المسلمين من الثائر الصادق سيدنا أبي ذر الغفاري (ع) الذي واجه فساد الخليفة الثالث فنفي إلى الربدة وسحل جسده واستشهد في الصحراء!!!

وأين إسلام المسلمين في العصر الحديث حين نراهم بكل سقاطة قد أشهروا سيوفهم المسمومة في وجه (النظام النصيري الكافر كما زعموا!!) فأرسلوا داعش وجبهة النصرة ليقتلوا سورية ويطهروها من (رجس النصيرية!!)، وزعموا أن (العلويين النصيريين!!) حكموا البلاد بالديكتاتورية والاستبداد في عهد القائد الخالد العظيم حافظ الأسد والقائد المؤمن الصامد بشار الأسد، اللذين هزا عروش الأمريكان والصهاينة والوهابية، فلماذا وجدنا تآمر ملوك ورؤساء الخليج وتونس وفلسطين والأردن والمغرب، وتخاذل رؤساء آخرين منهم في مصر والعراق وإيران؟ فهل معاييرهم في مساندة الحق هي معايير طائفية!؟

وما هو وجه الشبه بين قائد حركة حماس الإخوانية وعمرو بن العاص؟ وبين رئيس مصر الذي طابت له مائدة ملك السعودية وأبي هريرة الذي طابت له مائدة معاوية؟ وكذلك رئيس إيران الذي سارع لزيارة رئيس تركيا الإخواني متجاهلاً رئيس سورية وقائد محور الحق بشار حافظ الأسد فكان كمن نكث عهده للإمام علي (م) في قتال الناكثين والمارقين والقاسطين فلم يخذلوا الحق ولم ينصروا الباطل؟

والسؤال الذي قد يطرح: لماذا ساهم تستر الشيعة والسنة عبر التاريخ تحت مسمى التقية بتشجيع من ارتكبوا الموبقات على القيام بها، بينما لو عرفوا أنهم سيفضحون لتراجعوا عنها؟

إن كل رجل دين يسكت عن المفسدين ويخاف من فضحهم تقربًا للسلطة أو خوفًا من الأمن فهو مفسد بحد ذاته، وهو كأولئك المتسترين على المفسدين عبر التاريخ حتى اليوم، وكأنه لم يقرأ قول القائد الخالد العظيم حافظ الأسد: (لا أريد لأحد أن يسكت على الأخطاء، ولا أن يتستر على العيوب والنقائص).

نحن نقتدي بقول رسول الله (ص): (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

فقوام المجتمع بأخلاقه وقيمه، ومتى تعرضت للتهديد فالمجتمع كله سيكون في خطر. فمن مسؤوليتنا أن نعمل على الحفاظ على هذه القيم التي إن أسيء إليها، تهددت أركان المجتمع وقواعده. وعلينا في ذلك ألا نكتفي بوعيد الله، بل أن نكف أيدي العابثين بقيم هذا المجتمع، سواء الذين ينشرون الفساد، أو الذين يسعون إلى تسميم أجواء المجتمع به.

فنحن لا ندفن رؤوسنا في الرمال وكأنه لا فساد يجب معالجته وبتره في مجتمعاتنا، لأننا نأتمر بأمر سيدنا النبي المسيح (ع): (أنتم ملح الأرض ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجًا ويداس من الناس).

ومن ناحية أخرى، لا نشجع هذا الفساد بإشاعته والقبول به، لأن هذا سوف يمحو صور الخير والعطاء والمعروف والإحسان والتسامح داخل مجتمعنا، أو قصص التضحية والجهاد والإباء التي يذخر بها مجتمعنا والتي كتبها شهداؤنا الأبرار ومقاتلونا الأبطال في الجيش العربي السوري، فهذا ما نرتقي به، وهذا ما دعا الله إليه عندما قال: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى