علوم علوية

تحريم لحم الخنزير

تحريم لحم الخنزير

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هي أسباب تحريم لحم الخنزير؟ وهل يقتصر الأمر على اللحم المأكول؟ وهل يحل في شروط معينة؟ وما هو مفهومنا العلوي في تحريم لحم الخنزير؟

 

يعتقد البعض أن لحم الخنزير محرم فقط عند المسلمين وفي القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (ع)، وقد ذكرت الحشوية والمقصرة أن الله تعالى حرم لحم الخنزير، ولا يباح بحال من الأحوال لمسلم أن يتناول منه شيئًا إلا في حالة الضرورة التي تتوقف فيها صيانة حياته على تناوله حسب زعمهم، كما لو كان في مفازة ولا يجد طعامًا سواه؛ وفقًا لقاعدة: (إن الضرورات تبيح المحظورات)!!

نحن نؤكد أن التحريم والتحليل ليس من اختصاص البشر، بل من يحلل ويحرم هو الله والأنبياء والرسل (ع)، وبالتالي لا يمكن إغفال تحريم لحم الخنزير من قبل أصحاب الرسالات السابقة، لأن دين الله واحد، فحتى لو اختلفت الشرائع فإنه من غير اللائق أن يحلل سيدنا النبي محمد (ص) ما حرمه سيدانا عيسى وموسى (ع)، أو يحرم ما حللوه، وإلا انتفت العصمة وانتفت إلهية الدعوة النبوية لكل نبي، فالاختلاف يكون بطريقة التطبيق للشريعة مع المحافظة على جوهر الدين الحق.

وفيما يتعلق بموضوعنا فإن لحم الخنزير محرم عند كل من أنبياء الله موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، إذ ورد تحريمه في العهد القديم، كما ورد في الإنجيل أن أحد الكتبة قال: إن أكلت لحم الخنزير أو لحومًا أخرى نجسةً أفلا تنجس هذه ضميري؟ فأجاب سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (إن العصيان لا يدخل الإنسان بل يخرج من الإنسان من قلبه، ولذلك يكون نجسًا متى أكل طعامًا محرمًا)، ولهذا فإن أكلة لحم الخنزير يتطبعون بطبعه النجس فتجدهم قومًا هجروا الأخلاق واتبعوا أقبح الرذائل.

أما في القرآن الكريم فقد نزل تحريم لحم الخنزير واضحًا بينًا في أكثر من موضع ومنه قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم).

هذا التحريم لم يأت عبثا، فقد ورد عن الإمام الباقر علينا سلامه قوله: (إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده ويحل لهم ما سوى ذلك من رغبة فيما أحل لهم ولا زهد فيما حرمه عليهم، ولكنه تعالى خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم، وما يصلح لهم فأحله لهم وأباحه، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم)، وقد ثبت احتواء عضلة لحم الخنزير على الدودة الشريطية المسلحة وعلى حمض البوليك بكثرة، وذلك يسبب نوبات صرع وشحوبًا وآلام مفاصل…. إلخ.

أما السبب الروحي في التحريم فقد ورد في قول الإمام الرضا علينا سلامه: (حرم الخنزير لأنه مسخ، جعله الله تعالى عظةً للخلق وعبرةً وتخويفًا، ودليلاً على ما مسخ على خلقته، ولأن غذاءه أقذر الأقذار)، حيث أن الله تعالى مسخ قومًا في صور شتى كالخنازير والقردة كما جاء في كتابه.

 

لكن السؤال الأهم: هل قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) يحلل لحم الخنزير في حالات خاصة كما زعمت الحشوية والمقصرة؟ وهل يقصد الإمام الباقر علينا سلامه بقوله: (أحله للمضطر في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به!!) تحليل أكل لحم الخنزير؟ وبناءً عليه نطرح بعض التساؤلات:

هل يجوز للإنسان أن يأكل لحم إنسان ميت إن كان جائعًا؟ وهل يجوز أن يسفك دمه فيشرب منه إن كان عطشانًا؟ ولماذا يطبقون معيار الاضطرار على لحم الخنزير فقط؟

لنفرض أننا في غابة، وبقينا فيها لشهر كامل وليس فيها من الحيوانات إلا الخنازير، فهل يجوز لنا أن نصطاد خنزيرًا فنأكل لحمه لنقتات ونشرب دمه لنرتوي حتى لا نموت؟ وما هو الضرر الحاصل جراء أكله وشرب دمه؟ لماذا لا نأكل الأعشاب وأوراق الأشجار ونرتوي من ماء الندى وكله متوفر في الغابة، أفليس هذا أسلم؟

من جهة أخرى أثبت العلم أن الخمر له فوائد كثيرة إذا تم تناوله باتزان، لكنه مضر عند الإكثار منه والشرب حتى السكر وذهاب العقل، وهذا ليس موضع حديثنا، لكننا سقنا هذا المثال لنتساءل: لماذا يحرمون الخمر حتى في وقت الاضطرار ويبيحون لحم الخنزير في وقت الاضطرار؟ وما هذا التناقض في الأحكام؟

هنا نجيب على التساؤل الأساسي: لماذا لم يقل القرآن: (فمن اضطر لأكله)، بل قال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)؟

إن العاقل اللبيب ينطلق من الإشارات القرآنية في كتاب الله الذي لم ينزل عبثا ولم يكن ساذجًا سطحيا معاذ الله، بل تحدث بالأمثال التي يفهمها المتفكرون، فالأكل لا يعني الأكل المادي بالفم والأسنان، كقوله تعالى في آيات متعددة: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار…، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل…، الذين يأكلون الربا…، يأكلون أموال اليتامى…)، علمًا أن آية تحريم لحم الخنزير لم يذكر فيها الأكل، بل حرمه بالمطلق، وهو أكله ولمسه وارتداء جلده و….إلخ، والمقصود بكل هذا حسيا تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ويريد به عقليا تحريم الاعتقاد بأصول أهل الردة وأهل البدع وأهل الفتنة ومن كان من أتباعهم مخالفين للحق، فعلومهم محرمة على المؤمنين أن يعتقدوا بها ويتبنوها على الإطلاق، فمن اضطر على التستر بها تقيةً لا الاعتقاد بها إيمانًا فلا إثم عليه، بشرط أن يكون: (غير باغ) أي غير داعم لها وناشر لها، كأن يقول: إن معاوية أمير المؤمنين!! فهذا ليس بتقية، بل بغي ونفاق. (ولا عاد) أي متعد على أهل الحق ومحارب لهم، كأن يحارب العلماء إذا ذموا أعداء الحق بحجة أنه يحارب الفتنة، وهو في الحقيقة مفتن بجمعه بين أولياء الحق وأعدائه لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يجتمع حبنا وحب أعدائنا في جوف إنسان).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى