علوم علوية

تبرير المعاصي

إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا!!

تبرير المعاصي

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما مدى صحة الحديث: (إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا)، وماذا يعني الابتلاء بالمعاصي؟

 

إن هذه المقولة تتوارد على ألسنة العامة، ولكنها ليست بحديث مروي عن سيدنا رسول الله محمد (ص)، ولم ترد في أي كتاب من كتب الحديث لا عند السنة ولا الشيعة، بل هي مجرد مقولة شائعة يرددها العامة لتبرير المعاصي التي يرتكبونها في السر دون العلن قائلين: (استر على نفسك، فالله يستر على من يستر)!!

إن عبارة (إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا) تحمل في طياتها اتهامًا للباري جل وعلا بإجبار العباد على المعاصي كنوع من البلاء، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال، لأن ذلك ينسب الظلم للباري وهذا محال لقوله تعالى: (من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد)، فالإنسان هو الذي يظلم نفسه وليس الرب لقوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير).

والله جل جلاله لا يأمر بالمعصية بل ينهى عنها لقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، ولكنه سبحانه يعلم بمن يؤدي الطاعة وبمن يرتكب المعصية حيث ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي (م) قوله: (الأعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاصي؛ فأما الفرائض فبأمر الله ومشيئته وبرضاه وبعلمه وقدره يعملها العبد فينجو من سخط الله بها، وأما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته وبرضاه وبعلمه وبقدره يعملها العبد فيثاب عليها، وأما المعاصي فليس بأمر الله ولا بمشيئته ولا برضاه لكن بعلمه وبقدره يقدرها لوقتها فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله عليها لأنه قد نهاه عنها فلم ينته)، وهذا التقدير للمعاصي ليس تقدير إجبار بل هو تقدير اختبار ليختار العبد ارتكاب المعصية كما تأمره نفسه الأمارة بالسوء، أو اجتنابها كما أمره الله تعالى.

وقد وقع بالمعصية من اتهم الله بإجباره عليها لقول الإمام جعفر الصادق علينا سلامه: (الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقونه ولم يكلفهم ما لا يطيقونه، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ).

ولابد من التنويه إلى أن ارتكاب المعصية لا يخرج المؤمن من حد الإيمان، لأن المؤمن ممزوج من النور والطين، وكل عمل مردود لأصله، وهو ما أكده الإمام الصادق علينا سلامه بقوله: (لا يخرج المؤمن من صفة الإيمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنًا، وإنما استوجب واستحق اسم الإيمان ومعناه بأداء كبار الفرائض والطاعات وترك كبار المعاصي واجتنابها، وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الإيمان ولا تارك له ما لم يترك شيئًا من كبار الطاعة ولم يرتكب شيئًا من كبار المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله: “إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريمًا” يعني المغفرة ما دون الكبائر فإن هو ارتكب كبيرةً من كبائر المعاصي كان مأخوذًا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبًا عليها معذبًا بها فهذه صفة الإيمان وصفة المؤمن المستوجب للثواب).

وبالمقابل فإن أداء الفرائض لا يدخل الكافر في دائرة الإيمان لقول سيدنا النبي المسيح (ع): (ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس. الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم! وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى يجازيك في الخفاء علانيةً)، وهو يتلاقى مع قول سيدنا رسول الله (ص): (اقضوا حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى