من قصص الأنبياء

بنو آدم في عالم الذر

وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

بنو آدم في عالم الذر

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل كان إشهاد بني آدم على أنفسهم في الماضي أم في الحاضر؟

 

لا يستطيع كل من المقصرة والحشوية والمرتدين الخونة أن يفسروا كيف كان إثبات الحجة الأولى على البشر في قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين).

فالله تعالى يقيم الحجة أصلاً على البشر بما منحهم من نعمة الهداية ودلهم عليها من سبل إثبات وجوده، فلا حجة لهم في كفر أو في معصية، بالرغم من محاولتهم التعلق بأوهام التشبيه والتعطيل وغيرها من طرق الضلال والانحراف.

فهم يزعمون أن الإشهاد لم يكن جماعيا دفعةً واحدةً، بل كان تدريجيا على أساس السنة الطبيعية للخلق في إخراج الأبناء من أصلاب الآباء! وأن المراد بالإشهاد، هو الإشهاد المنطلق من عملية ولادة الإنسان، فيما أودعه الله في كل واحد من الدلائل والبراهين على وجوده وتوحيده، من خلال الفطرة التي أودعها في تكوين الإنسان! وبهذا يكون كل فرد من بني آدم شاهدًا على نفسه بفطرته حسب زعمهم!

هذا الفهم السطحي للآية المباركة فيه تناقض كبير وينافي فكرة العدل الإلهي، وسـنورد بعض التساؤلات على هذا ليكون حجةً لنا: فكيف سيشهد طفل مات بعد ولادته على ربوبية الخالق؟ وكيف سيشهد من ولد مختلا عقليا؟ وكيف سيشهد شخص ولد وعاش في بيئة لم تسمع باسم الله بل كان أهلها يعبدون الحجر أو الشجر أو البقر؟ وماذا عن أهل الشرائع الأخرى أو الديانات القديمة؟ هل يجري عليهم ما يجري على المسلمين؟ وكيف تكون الشهادة من دون معرفة ولا تحقيق؟ ولماذا كان الخطاب بالآية الكريمة بالماضي وليس بالحاضر ولا المستقبل، فلم يقل: (سيشهدهم)؟

إن زعمهم بأن الحجة لا تقوم على الإنسان بما كان قد اعترف به في عالم الذر لغفلته عن أصل الموضوع هو زعم باطل! لأن ما تحمله الروح لا يفنى ولا يضيع مهما امتد الزمان، فالغفلة ليســت للروح الثابتة إنما هي غفلة النفــس المتنقـلة في مقاماتها نتيجة الذنوب والخطايا، لأن الله لا يظلم أحدًا من الخلق، وإلا فما هو سبب ولادة مولود في بيئة مؤمنة، وولادة مولود آخر في بيئة كافرة، وولادة ثالث في بيئة لا تعرف عن الله شيئًا، فأي دليل تقدمه المقصرة والحشوية والمرتدون الخونة عن العدل الإلهي في خلقه إن أنكروا ما حصل في عالم الذر وقد قال سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (لو كنتم عميانًا لما كانت لكم خطية)؟

فالله عندما خلق الخلق وذرأ البرايا أخذ عليهم العهد بالإيمان به والإقرار بالألوهية والولاية والنبوة، وأشهدهم على أنفسهم بأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، فشهدوا بذلك، وقطعوا العهد على أنفسهم، ليكون ذلك حجةً من الله للمؤمنين الموحدين، وحجةً من الله على المشركين والكافرين عندما ينحرفون عن خط التوحيد، فلا يستطيعون بعد ذلك الاحتجاج بالغفلة عن الحق، وبسيطرة عقيدة التشبيه والتعطيل عليهم.

فما كان من أهل الإيمان واليقين إلا الإقرار الصادق الدائم بهذا العهد، وأما الذين كفروا فينكثون العهد لأنهم شهدوا الحق وأنكروه، وسيستمر إنكارهم أبدًا لقول الإمام الباقر علينا سلامه: (منذ الذرو الأول أبدوا كفرهم “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى” فقال: ضليلهم وإبليسهم الأكبر مكرهًا، وقالوا مكرهين: نعم، وقال إبليسهم لجحده: لا، بغير نطق فاستحال ظلمةً وكدرًا، وأسر ما قال كما أسر عجل سيدنا موسى بن عمران).

ونحن كعلويين نصيريين نقر بوجود عالم الذر الذي تحدث عنه أهل العصمة (ع)، ومن ذلك ما رواه سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: (مكتوب على باب الجنة: علي ولي الله، أخذت ولايته وعهده على الذر قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام، من سره أن يلقى الله وهو عنه راض فليتول عليـا وعترته فهم أوليائي وخلفائي وأحبائي).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫6 تعليقات

  1. إذا شهدنا على أنفسنا حقا في عالم الذر..فكيف سنذكر ذلك..وهل نحن مخيرون أم مسيرون بعد ذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى