قضايا توحيدية

الفرق بين التجلي والحلول

التجلي عند العلوية النصيرية لا يعني الحلول بالبشر

الفرق بين التجلي والحلول

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل التجلي الذي تتحدث عنه العلوية النصيرية هو حلول الله بالبشر كنزوله في جسد علي؟

 

إن للمؤمن على المؤمن حقوقًا، منها النصيحة والتنبيه من الوقوع في الأخطار والشرور، وأعظم الشر ما كان في الدين والعقيدة، لذلك لزم التنبيه إلى ما قام به أهل الحلول، وإلى ما تحتويه كتبهم ومراجعهم الخاصة من أمور وضعها سادتهم ويجب مراجعتها والتدقيق فيها والبراءة منها، وسأوضح في هذا الجواب بعضًا من شبهاتهم وبدعهم التي نسبت زورًا وبهتانًا لنهجنا العلوي النصيري الإسلامي، وسأوضح بالشرح الدقيق المعاني الحقيقية للأقوال المعصومة التي يجب ألا تؤخذ على ظاهر الكلام لقول سيدنا النبي المسيح (ع): (لا تحكموا حسب الظاهر ولكن احكموا حكمًا عادلاً).

يزعم الحلوليون أنهم يكتسبون معرفتهم بالوحي لا بالطرق والحقائق، فهم لا يستدلون بالقرآن ولا بالأخبار المتواترة عن الأئمة والأنبياء والرسل (ع)، لذلك ضل أهل الحلول عن فهم إثبات المشهود الموجود ليثبتوا حسب زعمهم (حلول الله بالكائنات العاقلة وغير العاقلة، فكل كائن يرى الله تعالى كهيئته إنما أكبر وأعظم، فالبشر يراه بشرًا أكبر وأعظم!! والحيوان والنبات والجماد يرونه حيوانًا ونباتًا وجمادًا أكبر وأعظم!!).

ومن أعلام بدعة الحلول السابقين (سنان قزحل وسراج الدين العاني وعلي بن قرمط وعلي ابن كشكة العشيري وزيد الحاسب وإسماعيل بن خلاد وإسحاق الأحمر)، حيث زعموا في بعض بدعهم: (إن الله حل في جميع الأشياء كالبقر والحيوان والكلاب والخنازير…!!)، وها هم أهل الحلول المتأخرين الذين تنزل عليهم الشياطين، تراهم في كل واد يهيم، يتحدثون في كل علم، ولكن حديثهم سطحي ضحل، وعرض ساذج مبتور، وهو حديث من قرأ شيئًا عن الموضوع وألم ببعض الشيء، ثم صبه في قالب خطابي ليستعرض نفسه به أمام حفنة من العوام، يبهرها صدى سمعته وصيته وجلبة خيله وخدامه أكثر مما يفقه من قوله وحديثه.

لقد خرج أهل الحلول عن نهج الحق حين قالوا: (لا هيولى إلا حق، ولا حق إلا تابع لهيولى، وكل حق لا يتبع هيولى ليس حقا!!)؛ أرادوا بذلك حلول الله في كل الهيئات والأشكال حسب شروحاتهم، فكل ما نراه من صور وهيئات- وفق زعمهم- قد حل الله فيها لإثبات وجوده، سواء كان ذلك في البشر أم في الحيوان أم النبات أم الجماد، إذ كل موجود يراه مثله بهيئة أكبر وأعظم، فمثلاً البشر يرونه بشرًا أضخم، والضفدع يراه ضفدعًا أكبر، والشجرة تراه شجرةً أكبر، معاذ الله من هذا الحلول الشيطاني الرجيم!!

إن هؤلاء الحلوليين لم يفقهوا ما روي عن الإمام الصادق حين قيل له: يا سيدي، الله في كل مكان أو في مكان دون مكان؟ فقال علينا سلامه: (بل في كل مكان). قيل: فهو في الجماد والنبات؟ فقال: (ليس هو فيه كالشيء في الشيء حلولاً، ولا هو خارج منه كالشيء في مكان دون مكان مباينًا). قيل: نعم فمثل لي ذلك. قال: (ضوء الشمس يطلع على الجيف ويظل النطف). قيل: أومحتجب هو؟ فقال: (أومحتجب ضوء الشمس عن الخلق؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو). قيل: فظاهر هو كضوء الشمس؟ قال: (فضوء الشمس تراه الأبصار وتحويه؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو). قيل: فما يضره ملامسة؟ قال: (أفيضر الشمس طلوعها على الجيف؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو).

إن هذا القول يؤكد أن التجلي لا يعني حلولاً في الكائنات كما يزعم أهل الحلول، وبالتالي كما يتهمنا الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة، بل هو دلالة على وجود الحق إثباتًا للحجة وإيضاحًا للمحجة، لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إن الصنعة على صانعها تدل)، فالحق تعالى واجب الوجود لذاته لكون عدم وجوده يعدم جميع المحدثات، وبفيض وجوده تنمو سائر الموجودات من الخلق والنبات.

وهكذا جر أهل الحلول أنفسهم بأنفسهم ليفضحوا شركهم حين زعموا أن (ليلة القدر هي اجتماع الواحد والوحدانية بالأحد!!)، فهل يقبل العارف في نهجنا العلوي النصيري الإسلامي أن يحل عالم الأسباب وعالم الكشف بالحق عز وجل!؟

وأية شيطنة سيطرت على أهل الحلول حين فسروا قوله تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون)، وقوله سبحانه: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، فزعموا شارحين الآيتين بقولهم المشبوه: (شارك الله الرسول وشاطره بالعبودية كإشراك الطاعة!!)، مخالفين ما ورد في محكم نهجنا العلوي النصيري الإسلامي أن الله أمر بالسجود سجود طاعة للنبي آدم (ع) في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، ولكنه أمر بعبادة الذات الإلهية في قوله سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، وقوله: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)، فالطاعة جائزة للرسول ومن يختصه الله بها، لأن الله أقام رسوله في خلقه، وجعل طاعته طاعته، والدعاء إليه دعاءً إليه، فلنتقيد بأحكام الكتاب والسنة والعترة، وفي ذلك الرحمة وتمام النعمة، وقد قرن سبحانه طاعته بطاعة الرسول، وذلك إشارةً إلى قرب الحبيب من ربه. أما العبادة فغير جائزة إلا للحق جل وعلا، لذلك أطلق الكفر على من يعبد الرسول دون المرسل، وأطلق الشرك على من يعبد الرسول والمرسل، وشهد بالتوحيد لمن عبد المرسل دون الرسول.

وقد وجدنا أهل الحلول قد غرقوا أكثر فأكثر في شيطنتهم ليفسروا أقوال المعصومين بفهمهم الإنكاري، فقد أوردوا القول المشبوه: (لا خلا ولا ملا بين الحق والعقل أي ليس بين نوره ومقامه إلا ذاته!!) جاعلين مقام الحق هو العقل، وهذا من أفكار الحلوليين الذين اعتبروا أن روح العقل مقام الحق!! ولم يفهم أهل الحلول أن قرب العقل من الحق ليس حلولاً، بل يعني أنه لا واسطة بين الحق والعقل، لقوله تعالى في الحديث القدسي مخاطبًا العقل: (وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أقرب إلي منك، ولك أظهرت خلقي وبك آخذ عليهم عهدي وبك أعطـي وبك أحكم وبك أمضـي، ما وصل إلي من جحدك ولا احتجب عني من عرفك، رضيتك للعالمين نورًا وبحكمي فيهم مدبرًا).

إن شرك أهل الحلول جعلهم أيضًا مشركين بعبادة الأسماء الحسنى فها هم قد قالوا قولهم المشبوه: (اسم الله ذاته!!) غافلين عما قاله الإمام الصادق علينا سلامه: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، فلو كان الاسم هو المسمي لكان كل اسم إلهًا، ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره)، فلو قلنا: إن الذات الإلهية هي الأسماء الحسنى!! فلا يجوز من الحكمة عبادة اسم، كما أنه تعالى لم يقل: (الله هو الأسماء الحسنى)، بل قال: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون)؛ أي يميلون عن الحق في أسمائه.

 

لكل ما سبق نؤكد أن البحث عن مشكلة الخلط عند الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة بين العلوية النصيرية والحلولية تشكل أكبر عدو يهددنا، وتعطي صورةً مشوهةً عنا، لذلك فإن بحوث الحاقدين التي تناولت نهجنا العلوي النصيري الإسلامي على ذلك المسلك الغريب، لن يجعلها تدرك عقائدنا إلا كما صورها ورسمها لهم أباليسهم، لذلك نقول للباحث المنصف في نهجنا العلوي النصيري الإسلامي: ينبغي أن تتعرف عليه كما هو في حقيقته وعند أهله من السادة الثقات الميامين المشهود لهم بالعلم والمعرفة والتقى واليقين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫8 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى