قضايا توحيدية

العرفان في فهم الدين

العرفان في فهم الدين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

يقال: (الدين يسر وليس بعسر)، فأي طريق يجب أن نتبع لنفهم الدين: الشريعة أم الفلسفة؟

 

يدعي الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة أن القرآن الكريم لا يتحدث عن الإيمان بوجود الله بالطريقة الفلسفية المجردة والعرفانية اللطيفة، لأن هذا الأسلوب حسب ادعائهم أسلوب عقلي جاف لا أثر للحياة فيه، بل يحاول القرآن من منظورهم الحشوي أن يتحدث عن الإيمان من خلال حركة الحياة التي نعيشها منذ بدأنا رحلتها، إلى أن اكتملت نشأتها؛ نأكل ونشرب ونتحرك، ونواجه حاجاتنا الطبيعية التي سخر الله لنا قوى الكون لتلبيتها!! وما علينا إلا أن نشكر ونعبد الله بالشريعة المفروضة على المسلمين!!

ويربطون هذا الادعاء بآيات من القرآن الكريم نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، وقوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون)، وقوله سبحانه: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً، ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا، وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سباتًا وجعل النهار نشورًا، وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا، لنحيي به بلدةً ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا).

أي عقل واع يقبل فكرة أن الله سخر الشمس والقمر والكواكب والنجوم والرياح وغيرها لهذا الإنسان المخلوق من الطين والذي وصف بقوله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفًا)، وقوله: (إن الإنسان لظلوم كفار)، وقوله تعالى: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين)، وقوله سبحانه: (وكان الإنسان عجولاً)، وغير ذلك!؟

في كل آيات الكتاب الكريم لا يرتبط فعل التسخير بالإنسان، بل بالباري عز وجل، كقوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)، وقوله: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون)، لأن التسخير يعني أن المسخر له أعلى من المسخر، وبالتالي فمخلوقاته مسخرات بأمره لا بأمرنا نحن البشر.

وهل يجوز أن تكون الشمس والقمر الموصوفان بقوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا)، وقوله: (وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا)، بذات الدرجة مع الشمس والقمر الموصوفين بقوله تعالى: (وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار)؟

وهل يعقل أن تتساوى الشمس والقمر والنجوم كمسخرات لنا في قوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)، بالأنعام المسخرة الأخرى التي ذكرها في قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)؟

وكيف يدعون أن الله سخر لنا الرياح وأمثالها وهي لم تسخر إلا للأنبياء كقوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين)، وقوله: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق)، وقوله: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب)؟

وإذا سألناهم: ما هو الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي؟ وكيف تكون السماء سقفًا وهي ظل لا مادي؟ ولو كان الظل الممدود ظل الإنسان فكيف قبضه الله إليه قبضًا يسيرًا؟ وما هي البلدة الميتة التي سيحييها بالماء الطاهر؟

إن الوقوف عند ظاهر اللفظ القرآني يضع الإنسان في متاهة المحكم والمتشابه، مما يحدث في ذهنه تناقضات كثيرةً تصل إلى الإسفاف الفكري في الدين، ولهذا نجد الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة والضـعفاء التائهين لدينا مقتصرين فقط على ظواهر اللفظ والشــريعة، واقفين على الباب دون الدخول إلى جنة العرفان ومراتبها الفلسفية التجريدية الموصوفة بالرياضيات الروحانية، لذلك فإنه لا مجال لفهم الحقائق القرآنية وتحقق العبادة الخالصة إلا بسلوك سبيل العرفان العلوي النصيري الخالص من شوائب المادة والعدم لقول الإمام الصادق علينا سلامه: (من استعمل الظاهر وعرف الباطن فهو مؤمن حقا)، وقول سيدنا النبي المسيح (ع): (إن الذين يصومون ويصلون ملعونون لأنهم عملوا بصورة الشرع ولم يعرفوا معناه)، فأهل المادة المحضة أشركوا بحشويتهم لأنهم جعلوا الجسم ماهيةً للروح، وأهل العدم المحض كفروا بإلحادهم لأنهم زعموا معرفة الروح دون وجود الجسم، وأهل العرفان البرزخي بينهما آمنوا بتوحيدهم لأنهم عرفوا الإشارة من إثبات الجسم إلى إفراد الروح عن صفات الجسم في قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫10 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الرائد المهندس الجريح بهاء إبراهيم يونسبوركتم دكتور وبارك الله جهودكم

  2. طريقتك في الكتابة حكيمة وعظيمة دكتور .
    طيب الله عيشك طيبت عيشنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى