معاني قرآنية

البلد الطيب

البلد الطيب

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو المقصود بالبلد في قوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه)؟

 

ذهبت الحشوية والمقصرة إلى التفسير السطحي لقوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون)، بأن البلد الطيب هو الأرض الكريمة التربة التي تجمع الخلق الكثير، وتنفصل بما لهم فيها من العمل، وأن إخراج النبات كثرته وحسنه وغزارة نفعه. والذي خبث كالأرض السبخة نباتها قليل عديم النفع!!

أما نحن العلويون النصيريون فنؤكد أن المعاني القرآنية أجل من العبارة، لذلك نلتمس معرفة الإشارة انطلاقًا من إجلالنا للكلام الإلهي ومعانيه ومقاصده. فالبلد أقسم به رب العالمين بقوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد)، والله لا يقسم إلا بالشيء العظيم.

من جهة أخرى أشار الله تعالى إلى سيدنا رسول الله (ص) بقوله: (وهذا البلد الأمين)، وهذا يعني أن الإشارة بالبلد الطيب واقعة على سيدنا رسول الله (ص)، وبما أن الطيب عكس الخبيث، فالذي خبث هم إبليس وأتباعه الذين جحدوا الآيات وأنكروها.

ونبات البلد الطيب هو علم التوحيد الذي يصدر عن الأنبياء والرسل بإذن الحق تعالى، أما ممثلو إبليس اللعين فلا يخرج منهم إلا نكد التشبيه والتعطيل، الذي يؤدي بصاحبه إلى جحود آيات الوجود بدل الشكر لمعرفتها، وهذا ممتد في كل عصر وزمان، لأن رسل الحق هم مثال البلد الطيب في كل عصر لأنهم ورثة الأئمة الذين يهدون إلى الحق في قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا)، وهم في مواجهة مستمرة مع أصحاب بدع التعطيل وشبهات التشبيه الذين لا يخرج منهم إلا نكد الشرك والكفر.

ولابد من الإشارة إلى أن رسـل الحق هؤلاء هم أصحاب أجسام مباركة لا يقع عليها نجس ولا دنس، بدليل قول سيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع): (البلد الطيب هو البدن الطيب في قبوله الإيمان، كلما زاد صفاءً وقبولاً ازداد زكاءً وطيبًا في هيكله. وكذلك هياكل أهل الجحود والإنكار تعقب من معانيها)، وقول مولانا الوصي شيث (م): (إذا كان الجوهر صافيًا لا كدر فيه كان أشفى للناظر وأعلى في المنزلة)، وهم الموكلون بتصريف الآيات أي إيضاحها وتفصيلها وإظهار معانيها للمؤمنين الذين يشكرون الله على ما آتاهم من نعمة معرفته التي خصهم بها عن أهل النكد والجحود.

فالأنفس الطيبة تسرع إلى تحقيق سموها وبلوغ غايتها بتخلصها من شوائب المزاج لتسكن في محلها الأول في الملأ الأعلى، وهي لبلوغ هذه الغاية تتبع رسل الحق، وتتمسك بالكتب السماوية التي فيها تبصرة للموقنين وذكرى للمتفكرين وتصديق للنبيين، وتأخذ بالمحكم الذي لا تشابه فيه، لتتحقق لها التصفية وتتم عليها النعمة صدقًا وعدلاً، بدليل قوله تعالى: (كما بدأكم تعودون، فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة)؛ أي كما أخرجكم من الأرض الطيبة والخبيثة، تعودون إلى جواهركم وأصولكم، فمن كان أصله طيبًا عاد إليه، ومن كان أصله خبيثًا عاد إليه.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫2 تعليقات

  1. ياسلام ماأجمل هذا التوضيح وأسلسه حياكم الله ربنا أجمعين وزادكم علما وعملا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى