قضايا توحيدية

الآيات والنظر

فبأي آلاء ربكما تكذبان

الآيات والنظر

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل الآيات التي يبينها الله منظورة بالعين أم معقولة بالقلب؟

 

يقول تعالى: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون)، فكل الآيات يبيـنها الله تعالى إظهارًا لا إخفاءً، فيتفكر أهل العلم في آياته المبينة لقوله تعالى: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً)، وأما أهل الجهل فينكرونها ويكذبونها لأن طينتهم الشيطانية مجبولة على الإنكار، وقد قال تعالى فيهم: (فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).

والفرق بين أهل العلم وأهل الجهل كالفرق بين البصير المبصر بالنور والأعمى المعمي بالظلام، ولذلك يقول تعالى: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون)، ويقصد بالأعمى الحيوان البشري الذي أظلمت نفسه فلا يكاد يقر بشيء من آيات الله حتى لو رآها، وبالبصير الإنسان المؤمن المهتدي لمعرفة النور المبين والإقرار به لقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)، فهل يستويان!؟

إن من يساوي بين الأعمى والبصير هو المنافق الذي لا يمكن أن يؤمن جانبه لأنه يجمع النقيضين إرضاءً لله والشيطان، وهذا لا يجوز لأن الصراط المستقيم لا يتجزأ، وقد قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان)، والإنسان هو الذي أنس بمعرفة الله، وهذه المؤانسة هي التي أشار إليها الله تعالى تعليمًا للمؤمنين في قصة سيدنا النبي موسى (ع) الذي آنس من جانب الطور نارًا فأقر لله الذي لا إله إلا هو، فلم يعبد هيبة النار تشبيهًا ولم ينكر وجودها تعطيلاً.

إن الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة يعطلون عملية النظر والإبصار بالعين، ويظنون أن الرؤية للآيات هي رؤية قلبية، وأن النظر المذكور في كتاب الله هو النظر بالعقل!! ولكن هذا الظن فيه إثم عظيم لقوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)، فالنظر هنا يكون بالعين، لأن الله أظهر الآيات عيانًا وأرسل الرسل والنذر مبشرين بيانًا، وهم موجودون لا يضرهم ألا يؤمن بهم من جهلهم، لكنهم بالنسبة لأهل العلم معاينون مشهودون مســموعون، لقول سيدنا النبي المسيح (ع): (طوبى لأنقياء النفوس لأنهم يعاينون الله)، ومنه ما قاله سيدنا النبي محمد (ص) لأمير المؤمنين الإمام علي (م): (إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى).

ومن كلام مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) أنه قال: (من تفكر أبصر)، لأن التفكر دليل العلم لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا عقل كالتدبير، ولا علم كالتفكر)، أما ذكره للإبصار فيثبت شهادة الرؤية، لأن الإبصار دليل المعرفة والشـهود بدليل ما جاء عن سيدنا النبي المسيح (ع) أنه قال: (لو كنتم قد عرفـتـموني لعرفـتم أبي أيضًا. ومن الآن تعرفـونـه وقد رأيـتـموه) فقال له أحدهم: (يا ســـيد أرنا الآب وكفانا)، فأجابهم: (أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني! الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟)، فأهل الجهل والإنكار يتوقفون في مرحلة يظنون أنها مرحلة التفكر ولا يتجاوزونها لأنها بالحقيقة مرحلة التوهم لقوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون)، أما أهل العلم والإقرار فيتفكرون ويعاينون آياته ويتكلمون بالتوحيد الحق فيسلكون الصراط المستقيم في العبادة لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (التفكر في آلاء الله نعم العبادة)، لأن العبادة ليست محصورةً في حركات الأجساد القشرية كالقيام والقعود ودفع الأموال للجمعيات والامتناع عن الطعام والشراب، بل العبادة هي التدبر في الصلاة والارتقاء بالصيام والتطهر بالزكاة والبلوغ في الحج، وهذا لا يكون إلا بالتفكر عند إقامة هذه الفرائض، فإن كان مقيمها جاهلاً منكرًا فهو كاذب مبعد عن رحمة الله لقول سيدنا النبي المسيح (ع): (الحق أقول لكم: إن الذي يذهب ليصلي بدون تدبر فكأنه يستهزئ بالله).

ومن المهم في الختام أن نذكر بقوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، وما هذه التثنية إلا لإثبات أن العبادة الصادقة لا تتجزأ، فالمؤمن يعاين الآيات السماوية والأرضية دون إنكار أي منها لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (التصديق بملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫6 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى