معاني قرآنية

إشارات توحيدية في الوضوء

غسل الوجه والذراعين في آية الوضوء

إشارات توحيدية في الوضوء

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لماذا أمرنا الله بغسل الوجه قبل الذراعين في الوضوء؟

 

يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين).

إن الفرق بيننا وبين الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة هو في فهم حقيقة الشرائع، فنحن كعلويين نصيريين لا نقيم الشريعة كتطبيق قشري فقط دون أن نفهم أبعاده، بل نتفكر في أمر الله لنحقق ثواب عبادتنا امتثالاً لقول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (لا تعمل بالشريعة دون أن تعلم الحقيقة فيحبـط عملك)، ومن ذلك الوضوء الذي أمرنا به قبل الصلاة، وهو ليس غسلاً للأعضاء فحسب، فلو كان المراد به الماء المادي المحسوس لبطل حكم قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وذلك لعدم حياة كل الأشياء به، وذلك مما لا يحتاج إلى دليل عند أهل البرهان، لذلك كان الوضوء في الحقيقة هو معرفة الجوهر.

بالنسبة للسؤال نورد في البداية قول الإمام الباقر علينا سلامه لسائل سأله عن ترتيب الوضوء فقال: (تابع ترتيب الوضوء كما قال الله عز وجل: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين، ولا تقدمن شيئًا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به، وإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد على الذراع، وإن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله به).

فإن سأل سائل: لماذا تقدم الوجه على الذراعين في الوضوء؟ والذراعان على الرأس والرجلين؟ جاءه الجواب عن سيدنا رســول الله (ص) وهو يروي قصــة المعراج، حيث قال (ص): (قال ربي عز وجل: يا محمد، مد يدك فيتلقاك ماء يسيل من ساق عرشي الأيمن)، فنزل الماء فتلقيته باليمين، فمن أجل ذلك أول الوضوء باليمنى، ثم قال لي: (يا محمد، خذ ذلك واغسل به وجهك فإني أريد أن تنظر إلى عظمتي وأنت طاهر، ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار فإني أريد أن تتلقى بهما كلامي، وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى كعبيك، فإني أريد أن أمسح رأسك وأبارك عليك، وأريد أن أوطئك موطئًا لم يطأه أحد قبلك ولا يطؤه أحد غيرك).

فالوجه له المعنى الأسمى في خلق الإنسان الذي يعتبر جرمًا صغيرًا انطوى فيه العالم الأكبر، والوجه نقاب النفس التي تظهر معانيها فيه ويبدو كمالها منه، ولذلك كرمه الله وقدمه على سائر الأعضاء لأنه مثال للحقيقة الكاملة التي هي وجه الحق الذي قال تعالى فيه: (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)، ولا يمكن لمؤمن أن يهتدي دون البدء بمعرفة وجه الحق لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أول الدين معرفته)، لذلك كان وجه الله قبلة كل مؤمن لقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وقوله: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)، وقد وجهه الله تعالى إليه وجعله قبلةً له في قوله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلةً ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)، ولكي لا يحده بالجهات لأنه أرفع من المكان إذ كان الله ولا مكان ثم خلق المكان، فقد جاء قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)، فكان التوجه لوجه الله غير محدود بجهة من الجهات، بل هو المتجلي في كل الجهات دون أن تضمه، ولذلك جاء التوجه الإبراهيمي في قوله تعالى: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين)، فمن عرف حقيقة هذا التوجه حسن دينه لقوله تعالى: (ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلاً).

أما الذراعان فكان ترتيبهما في الوضوء هو تلو الوجه لأن اليد أخذت صفات متعددة وتحددت بالجهات كقوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) وتقيدت بالأعداد كقوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان)، ولا يمكن أن تتقدم الذراعان على الوجه كما لا يمكن أن تتقدم الكواكب على الشمس في الوجود.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى