أنوار الحج الأعظم
أنوار الحج الأعظم
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
عيد الأضحى مثل بقية الأعياد، بالنسبة لأهل الإيمان له معنى على القدر والاستطاعة بعيدا عن سلوك عبادة الأصنام، لكنه بالنسبة للأنبياء والرسل له معنى آخر.
فأهل الإيمان يقيمون العيد إثباتا لمعرفة تجلي الحق، أي لقاء بالحق، لأنهم يعودون عودة الحق؛ وهذا هو العيد.
وقد كانت دعوة الأنبياء والرسل كافة إلى الحج؛ أي إلى الإقرار بالوجود. فالحج لغة هو القصد، وشرعا قصد البيت الحرام للتقرب إلى الله، وفيه يقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (فرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام ويألهون إليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزته، واختار من خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عنده موعد مغفرته. جعله سبحانه وتعالى للإسلام علما وللعائذين حرما، فرض حقه وأوجب حجه، وكتب عليكم وفادته، فقال سبحانه: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
فما علينا إلا أن نتبع سببا ينجينا، وهو علم المعاني والتمكين، وإن كانت كلها أمثلة فلا يجوز لنا إذا أن نعتقدها رسوما فقط، فسيدنا رسول الولاية إبراهيم الخليل (علينا سلامه) أجاز تكسير الأصنام، عندما أمره الله تعالى أن يرفع قواعد البيت فرفعها، حتى لا يبقى في الأرض صنم يعبد.
وسيدنا النبي موسى الكليم (ع) نهى عن صنع التماثيل والاعتقاد بها في مواضع كثيرة، ومنها ما قاله: (لا تصنعوا لكم أوثانا، ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا).
وسيدنا رسول الله محمد (ص) كسر الأصنام جميعها، وأمير المؤمنين الإمام علي (م) صعد على كتفي النبي (ص) ليرمي هبل الأعلى عن سطح البيت.
لذلك كان لابد من وجود البيت الذي يحج إليه المؤمنون من أجل إقامة الحج فقال تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود). لكن التوجه إلى بيت الله هو القصد إلى معرفة وجود الحق، لا إلى الأبنية الظاهرة التي يشير إليها عموم الناس لقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر).
فليس بناء الكعبة هو الغاية، لأن الطواف بالبيت والعبادة لرب البيت لقوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت). فالطواف شرع حوله تشبيها بالملائكة الكرام وطوافهم حول العرش.
وقوله تعالى: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)؛ يعني من عرف الأصل، أو عرف التوحيد، فلا جناح عليه أن يطوف بهما، لأن الشعائر في قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) هي فروع الحج، فمن حج ولم يعرف المناسك فعليه أن يعرفها، فهي أيضا من أمر الله، ومن آمن بالله فعليه أن يعرف الحق بشرائعه وفروعه.
فلنحرص على إقامة الشعائر لأن الشعائر أمكنة العبادة في الحج، وقد قال تعالى: (إن الصفا والمروة من شعآئر الله)، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (الساعي في حاجة أخيه المؤمن كالساعي بين الصفا والمروة)، لكن هل يفيد السعي بين الصفا والمروة دون إدراك الحقائق؟
قال سيدنا رسول الله محمد (ص): (لو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام دون إدراك عبادة العلي العلام أكبه الله على منخريه في النار).
من هنا أختم بجواب سيدنا النبي محمد (ص) عندما سئل عن أحوال الناس آخر الزمان فقال: (يحج أغنياء أمتي للنزهة، ويحج أوساطهم للتجارة، ويحج فقراؤهم للرياء والسمعة)، فلنعد إلى الرشد بترك الماديات والسطحيات، ولنحقق سيرا حقيقيا بالحج الأعظم إثباتا وإفرادا.
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


