من قصص الأنبياء

أصل إبليس ومفهوم الهبطة

قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو

أصل إبليس ومفهوم الهبطة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ورد الخطاب الإلهي بقوله تعالى: (قال اهبـطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو)، فهل التثنية تشير للمقرين والمنكرين؟ وهل هذا يعني أن المنكرين كانوا مع المقرين في الجنة؟

 

وردت الهبطة في القرآن الكريم في مواضع مختلفة وبمعان مختلفة، وهنا لابد من التعريج عليها لنفهم بالضبط ما هو المقصود.

 

شرحنا في المقال السابق قوله تعالى: (قال اهبـطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو)، وقلنا في مورد الإجابة أن الفعل لم يختص بآدم وحواء كشخصين، بل شمل المقرين والمنكرين جميعًا لأن الإشهاد كان لهما. وما يؤكد أنهم مجموع وليسوا اثنين فقط ما ورد في موضع آخر في القرآن الكريم من قوله تعالى: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)، وقوله: (قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدًى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وقوله: (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)، وهذا يعني أن صيغة الجمع تدل على أنهم كانوا أكثر من اثنين.

قد يتساءل أحد: هل من المعقول أن يكون المقصود: آدم وحواء وإبليس، فيصيرون ثلاثةً!؟ نجيبه: وهل يعقل أن يكون إبليس في الجنة؟ وإن كان في الجنة فلماذا لا يكون المنكرون في الجنة وهم أقل خبثًا منه؟ وهل يعقل أن يكون إبليس من أهل الجنة فعصى ربه فأخرجه منها؟

أن يكون إبليس من أهل الجنة فهذا يعني أنه كان من الملائكة كما تزعم الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة، لكنه بمخالفته خرج من عدتهم!! ولكن القرآن الكريم لم يذكر في كل آياته أن إبليس كان من الملائكة، بل كان مع الملائكة، وكان دومًا استثناؤه استثناء فعل كما في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)، واستثناء جنس لأنه ليس من الملائكة بل كما قال تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه).

فمن أين هبط إبليس إذن؟ ومن أين هبط المقرون والمنكرون؟ وهل الهبوط هو هبوط مكاني من الأعلى إلى الأدنى؟ أم أنه هبوط من نوع آخر؟

 

لقد أخطأت الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة حين زعموا أن نبينا آدم المعصوم (ع) هبط من الجنة إلى الأرض بخطيئة وبمعصية معاذ الله!! لكن نهجنا العلوي النصيري يصحح لهم معنى هذه الهبطة، فهبطته كانت بإرساله للبشر لقوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا)، وذلك لهدايتهم لمعرفة ربهم رسولاً من الله نذيرًا وبشيرًا، وقد مثلناها بالهبطة النبوية بدليل قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبـط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم)، فالهبوط للأنبياء يعني إرسالهم بالرسالة التي هي السلام والبركات على النبيين والمرسلين وأتباعهم المقرين، وهي الإنذار والتحذير للأمم الأخرى المخالفة المنكرة.

 

أما آدم المزاجي فهبطته يدل عليها قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبـطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، فالهبطة لم تكن من السماء إلى الأرض، بل هبطة حال الآدميين من النعمة إلى البلاء بسبب الشك والتحير والتردد والعصيان، فمن كانوا من المؤمنين المقصرين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، ومن كانوا من الكافرين المنكرين بآؤوا بغضب من الله.

وهذا يعني أن التحذير والتخويف والأمر والنهي عن الأكل من الشجرة لم يكن لنبينا آدم المعصـوم (ع)، بل كان لآدم المزاجي البشـري، الذي كان منعمًا عليه بمعرفة باريه في قوله تعالى: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)، فالسكن في الجنة ليس سكنًا ماديًا لأنهم لم يكونوا أجسادًا بشريةً ماديةً، ولا مكان للمواد في عالم السماء.

وهذا يعني أن السكن من السكينة بمعرفة باري البرية، وهو ما أراده سيدنا المسيح بقوله: (لا يمكنك أن تراه وتعرفه على الأرض تمام المعرفة، ولكنك ستراه في مملكته إلى الأبد حيث يكون قوام سعادتنا ومجدنا)، وأن الأكل هو جني المعارف الربانية التوحيدية التي هي غذاء الموحدين، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اسكنوا هـذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدًا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين)، وأما الشجرة فهي شجرة الشك والشرك والإنكار التي هي أكل المشبهين والمعطلين، ووجود الشجرة في حدود الجنة ها هنا مثال على الامتزاج القائم بين الموحدين والمشبهين والمعطلين بدليل قوله تعالى: (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا)، كما أنه مثال على الفرق الخفي بين التوحيد من جهة والشرك والإنكار من جهة أخرى، حتى لا يكاد المرء يفرق بينهما لشـدة الخفاء بدليل قول سيدنا رسول الله (ص): (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، فإن الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء).

 

أما آدم العاصي الذميم فهو إبليس الذي هبط من هذه المعرفة صاغرًا مذمومًا مدحورًا لأنه أنكر ورد على الباري أمره، وقاس برأيه حين رفض السجود، فقال له تعالى: (فاهبـط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين)، وهذا الهبوط ليس هبوطًا مكانيا من السماء، إذ لم يكن في الجنة السماوية فهبط إلى الجحيم الأرضي، لكن الهبوط هو هبوط حالي، إذ عرضت المعرفة عليه كما عرضت على الملائكة وكما عرضـت على البشر، لكنه أنكر فهلك ولعن وخرج منها صاغرًا لا يعود إليها أبدًا لقوله تعالى: (قال فاخرج منها فإنك رجيم).

 

قد يتساءل متسائل: كيف تساوى الملائكة وإبليس والبشر في المعرفة؟

الجواب: هم لم يتساووا في المعرفة، لكن الإشهاد للجميع دون استثناء لكي لا يحتج محتج فيقول: (رب ما أشهدتني، ولو أشهدتني لشهدت لك)، فقطع الله عليهم الطريق وعرض الشهادة عليهم جميعًا لقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)، فمن أقر كان من المؤمنين بقيادة نبينا آدم الجليل المعصوم (ع)، ومن أنكر كان من الكافرين المنقادين لإبليس اللعين، وهو العدل الإلهي التام المعبر عنه في قوله تعالى: (ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫6 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى