قضايا تاريخية

أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين

أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كتب الباحث السوري في الشؤون الدينية أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع المركز السوري للدراسات قال فيه:

 

يقول الإمام الصادق علينا سلامه: (أدب الدين قبل الدين، ومن لا أدب له لا دين له)، فالأدب أصل لا تنازل عنه، وهو من أوجب صفات العلماء المحققين البالغين العارفين المشمولين برحمة الله لقوله تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، أما أساس الأمر بالسوء فهو الجهل والوسواس الشيطاني والمكر السيئ الذي قال تعالى فيه: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).

وكم من هفوة سقط بها من يدعي العلم للسـمعة والرياء وقد قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (يسير الرياء شرك). وكم من زلة أسقطت من يتحدث برأيه بعيدًا عن النص المعصوم والحجة الدامغة فـيفـتي بغير علم وقد حذر الإمام الصـادق علينا سـلامه فقال: (خصلتان مهلكتان: أن تفتي الناس برأيك، وأن تدين بما لا تعلم).

فمن نصب نفسه عالما على قوم كان من الواجب أن يتحلى بصفات العلماء المدققين المنصفين، لأن العالم العارف يوافق قوله فعله، وسره إعلانه، وباطنه ظاهره، محب للمؤمنين، مواصل لهم بولاية الحق، ومجاهد في سبيل الله، فما لنا نرى كثيرًا ممن نصبوا أنفسهم علماء عبر التاريخ الإسلامي قد هجروا الحق وتلذذوا بطعم الباطل ليقع فيهم قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)!؟

وكم انتشـر الباحثون الشـاذون الذين عرضـوا للعلوية النصـيرية، والذين غلب على تصنيفاتهم هاجس النقمة على سادتها إرضاءً للمصالح السياسية في العصور الأموية والعباسية والعثمانية، والذين وقع فيهم قول الإمام علي زين العابدين علينا سلامه حين خاطب خطيب دمشق الذي بالغ في ذم الإمام الحسين علينا سلامه إرضاءً ليزيد (لع) فقال له موبخًا: (ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار).

ومن هنا كانت كل محاولات الطعن بسيدنا محمد بن نصير (ع) وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) في كتب الرجال الموثقة عند الشيعة المقصرة، وفي كتب المؤرخين التكفيريين عند السنة الناصبة، من أمثال القمي والغضائري والنجاشي والشهرستاني والأشعري والكشي والحلي والقلقشندي والغزالي والشكعة والقرضاوي وابن تيمية…. إلخ.

فقد أشعل هؤلاء المتطرفون لمذاهبهم الفتنة من خلال مشاريعهم المشوهة للإسلام المحمدي السمح، حيث قلبوا الأمور خدمةً للمشاريع السياسية، وقد قال تعالى: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون)، لذلك فإن ردنا عليهم واجب حتى لو سموه فتنةً، ونحن نفتخر بهذا الواجب لأننا نلتزم قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين).

إن هذا الرد لا يستوجب منا تكفيرنا للشيعة المقصرة ولا للسنة الحشوية كما يتهمنا التكفيريون أنفسهم كمبرر لإشعال فتنتهم ضدنا، بل إن ردنا هو صرخة في وجوه التكفيريين لنقول لهم: ليس من حق أحد أن يكفر أحدًا، ولا يحق لكم أن تكفرونا بحجة ما كتبه علماؤكم من دون تمحيص ولا تدقيق ولا تدبر، فنحن أصل من أطاع سيدنا النبي محمدًا (ص) ووالى مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) والأئمة المعصومين علينا سلامهم، ونحن العلويون خاصة الخاصة، وعنا تفرعت الفرق والمذاهب الأخرى، ولا يمكن أن نكون تابعين لأحد، إذ من غير العدل أن يتحول الأصل إلى فرع والفرع إلى أصل، فإذا كان مؤسسو المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة من تلاميذ مدرسة الإمام جعفر الصادق علينا سلامه فهل يعقل أن يتحولوا إلى أصل، ويصبح نهج أهل البيت الأصلي فرعًا لهم لنكون حسب زعمهم (المذهب الخامس) إن اعترفوا بنا!!؟

كذلك المذهب الشيعي اتضحت معالمه بعد غيبة الإمام الحسن العسكري علينا سلامه على يد سعد القمي الذي كان من أشد الأعداء لسيدنا أبي شعيب محمد بن نصير (ع)، فمن بقي على نهج سيدنا أبي شعيب (ع) حافظ على علويته وسمي (نصيريًا)، ومن اتبع القمي والذين أتوا من بعده حافظوا على تشيعهم لأهل البيت والذي يعني موالاتهم الظاهرة، وثبتت عليهم تسمية (المقصرة).

 

البعض سيقول: خصوصية العلويين الفقهية لا تنفي ولا تلغي كونهم من عموم شيعة أهل البيت الطاهرين!!!

نقول لهم: نحن الأصـل وخاصة الخاصة التي نشـأت في كنف مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) والتزمت مع الأئمة المعصومين علينا سلامه، ولأن الغربال يعمل باستمرار تفرعت عنا الفرق الأخرى. فإن كنتم ترون أن الشيعة المقصرة هي الأصل ونحن الفرع فهذا رأي يخصكم لأنه يخالف كلام الموحدين. ونذكركم أن كتب الرجال المعتمدة لدى الشيعة قد كفرت خاصة الخاصة من سادتنا، فهل تدعوننا إلى الالتحاق بركب من يكفر سادتنا!؟

فمن أراد أن يكون من الفروع فهذا شأنه.. أما نحن فلا نرضى بذلك.. لأن الحديث في الدين له أصوله البعيدة عن النفاق والمجاملة.. و(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) كما قال سيدنا الرسول (ص)، لذلك نحن أقوياء بأصالتنا وعدم تبعيتنا.. وبفهمنا وعلمنا المنافي للجهل.. وبتمسكنا بنهج مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) والأئمة المعصومين علينا سلامهم دون التبعية لأهل القياس الحشويين وأهل الاجتهاد المقصرين.. لذلك نمثل الأصل ولسنا فرعًا لا من الشيعة المقصرة ولا من أحد آخر..

سيحتج البعض ببيان (عقيدة المسلمين العلويين شيعة أهل البيت) الذي وقعه بعض المشائخ بإشراف الداعية الشيعي الشيرازي منذ منتصف القرن الماضي.. لذا وجب الإيضاح: هذا بيان صاغته وحاكته ورعته الشيعة في وقت كان العلويون يحتاجون ليد تمتد إليهم نتيجة الافتراءات والتهم والفتاوى التكفيرية بحقهم مما دعا إلى حدوث مجازر عثمانية ووهابية نالت من كثير منهم.. فتم استغلال حاجتهم ليوقعوا على بيان يثبتون فيه أنهم يؤمنون بالله ربا وبمحمد نبيا وبالأئمة وأنهم على منهاج شيعة أهل البيت!!! وكأنهم على غير دين الله معاذ الله!!!!

فإن قلنا: (شيعة أهل البيت) فلا نقصد بذلك أننا فرع من المذهب الشيعي الحالي، بل إن معنى كلمة الشيعة تعني الأنصار والأتباع، أي أننا مناصرو وموالو وأتباع أهل البيت، فالعلويون حافظوا على الولاية الصحيحة، وهم المقصودون بقول سيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع): (ألا يا معشر الشيعة.. من أهل البصيرات)، فكان المقصود بمعشر الشيعة دليلاً على الانتماء لأهل البيت، وبعبارة أهل البصيرات دليلاً على أنهم المبصرون والمتبصرون بالحق والذين التزموا بالنهج العلوي الأصلي.

فإن كان علماء السنة الحشوية في الجامع الأزهر يعتبرون أنهم اعترفوا بنا كمسلمين من أتباع المذهب الجعفري!! وإن كان علماء الشيعة المقصرة في (قم) يعتبرون أنهم أرسلوا الداعية الخاص بهم لهدايتنا والاعتراف بنا كشيعة إثني عشرية.. فلماذا يتهكم التكفيريون من الوهابيين والإخوان المسلمين باعتراف الأزهر ويشرعون قتلنا وذبحنا تطبيقًا لفتوى شيخ التكفير ابن تيمية وسلفه محمد ابن عبد الوهاب!! ولماذا يتهكم المتعصبون والمتطرفون من علماء الشيعة بالبيان المذكور ولا يعترفون به.. ولماذا يقولون: إن أصبح النصيرية شيعةً فقد اهتدوا.. وإذا بقوا على عقيدتهم الكفرية فنحن أعداؤهم!!

فهل نكون مخطئين إن نادينا باستقلاليتنا وتبعيتنا فقط لسيدنا النبي محمد (ص) ومولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) وأهل البيت علينا سلامهم ومن تبعهم من سادتنا الموثوقين (ع)؟؟

دينيا نحن ندافع عن حقنا بالاستقلال وعدم التبعية لأحد إلا لله ونبيه وأئمته وخلصائه.. فإن جاء البعض ليطعن بنا لهذا السبب فصدرنا مفتوح للشهادة، لأن ما يحدث اليوم معنا هو كقصة القاتل والمقتول.. كلاهما رضي الله عنهما!!!

ما يحدث معنا هو امتداد لما حصل مع سادتنا أبي ذر الغفاري وصعصعة بن صوحان وعمار ابن ياسر ورشيد الهجري وحجر بن عدي (ع) وغيرهم من الذين تم الطعن بإسلامهم لأنهم على ولاية مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) وتمت تصفيتهم.. لكن هؤلاء السادة لم يجاملوا ولم يهادنوا المنافقين ليكسبوا رضاهم.. ونحن اقتداءً بهم يجب إلا نجامل أحدًا طالما نقف على أرض إيمانية صلبة..

علمًا أن اسـتقلالنا كفكر ونهج علوي نصـيري خصـيبي لا يعني التفرقة ولا التعصب.. فنحن لا نعادي أحدًا ولا ندعو لقتل أحد.. ولا نريد منهم إلا أن يتركوا أبناءنا وشأنهم.. فنحن لا نريد أن نتشيع ولا أن نتسنن ولا أن نتنصر ولا أن نتهود ولا أن نتمجس.. نريد إسلامنا محمديًا علويا صافيًا خاليًا من اجتهاد المقصرين وقياس الحشويين.. معتمدًا على النصوص النبوية والإمامية المعصومة امتثالاً لقول سيدنا أبي شعيب محمد بن نصير (ع): (لا تأخذوا دينكم إلا عمن أخذ منا نصا بعضًا عن بعض).

وأختم المقال بصرخة في وجه كل من يريد تكفيرنا والإساءة لنا بقول سـيدنا النبي المسيح (ع): (لا تدينوا لكي لا تدانوا.. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يـكال لكم.. ولماذا تنظـر القـذى الذي في عين أخيك، وأما الخشــبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك؟… يا مرائي، أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدًا أن تخرج القذى من عين أخيك).

والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى..

 

مقال نشر عبر المركز السوري للدراسات يوم الخميس 22 كانون الأول 2016

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى